مجلس النواب يعلن تنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا: خطوة تشريعية لحماية النشء من الفوضى الرقمية

مجلس النواب يعلن تنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا: خطوة تشريعية لحماية النشء من الفوضى الرقمية
كتب ا د وائل بدوى
في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم، لم يعد استخدام الأطفال للتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي قضية هامشية أو شأنًا أسريًا خاصًا، بل تحوّل إلى ملف مجتمعي وأمني وثقافي متكامل، يستدعي تدخل الدولة ومؤسساتها التشريعية والتنفيذية. ومن هذا المنطلق يأتي بيان مجلس النواب الذي يعلن فيه توجّه الدولة نحو إعداد مشروع قانون ينظم ضوابط استخدام الأطفال لتطبيقات ومواقع التواصل الاجتماعي، في خطوة تعكس وعيًا متزايدًا بحجم المخاطر التي تحيط بالنشء في العصر الرقمي.
إن جوهر هذا التوجّه لا يقوم على المنع المطلق أو المصادرة، بقدر ما يقوم على تنظيم الاستخدام وحماية الطفل من الانزلاق إلى فضاءات رقمية غير آمنة، ثبت بالدليل العملي أنها تحمل مخاطر نفسية وسلوكية جسيمة. فالتجارب الدولية، التي أشار إليها البيان ضمنيًا، أثبتت أن ترك الأطفال دون ضوابط واضحة في التعامل مع الهواتف المحمولة ومنصات التواصل، قد يقود إلى أنماط إدمان رقمي، وتشوّه في البناء النفسي، واضطراب في القيم، فضلًا عن تعرّضهم لمحتوى غير ملائم أو ممارسات استغلالية مباشرة أو غير مباشرة.
البيان يعكس إدراكًا عميقًا بأن التحدي لم يعد تقنيًا فقط، بل تربوي وثقافي وأخلاقي. فالأطفال اليوم لا يستهلكون التكنولوجيا كأداة، بل يعيشون داخلها كبيئة بديلة تشكّل وعيهم، وتعيد صياغة مفاهيمهم عن الذات والآخر والمجتمع. ومع الاستخدام المفرط، تتحول المنصات الرقمية إلى مصدر ضغط نفسي ومقارنات اجتماعية حادة، وقد تصل في بعض الحالات إلى العزلة، والاكتئاب، وفقدان التركيز، بل والسلوكيات العدوانية.
ومن هنا، فإن تأكيد مجلس النواب على أن هذا التوجه يأتي في إطار إدراك الدولة العميق لحجم المخاطر، هو تأكيد على أن الأمن القومي لم يعد عسكريًا فقط، بل أصبح أمنًا معرفيًا ونفسيًا وثقافيًا. حماية الطفل من الفوضى الرقمية تعني حماية مستقبل المجتمع، لأن هذا الطفل هو مواطن الغد، وصانع قراره، وحامل قيمه.
اللافت في البيان أيضًا هو التشديد على أن الخطوات التشريعية ستُتخذ في إطار الدستور واللائحة الداخلية للمجلس، مع دراسة متأنية لإقرار تشريع يضع حدًا للفوضى الرقمية دون الإضرار بالحقوق الأساسية. هذا التوازن الدقيق بين الحماية والحرية هو التحدي الحقيقي لأي تشريع حديث في هذا المجال. فالقانون الناجح ليس هو الأكثر تشددًا، بل الأكثر قدرة على تحقيق الردع الوقائي، دون خنق الإبداع أو تعطيل الاستفادة الإيجابية من التكنولوجيا.
كما أن إعلان عقد حوار مجتمعي موسّع يعكس إدراكًا بأن القضية لا يمكن حسمها بقرار فوقي. إشراك الوزارات المعنية، مثل الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والشؤون النيابية، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، يضمن صياغة رؤية شاملة تراعي الأبعاد التقنية والتربوية والقانونية في آن واحد. فالتشريع في هذا المجال لا يجب أن يُكتب بعقل قانوني فقط، بل بعقل تربوي ونفسي ومجتمعي.
الأهم من ذلك، أن هذا التوجّه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الدولة لا تقف موقف المتفرج أمام التحولات الرقمية، ولا تكتفي بردود الفعل بعد وقوع الضرر، بل تتجه نحو الرقمنة الوقائية، التي تسعى إلى تقليل المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات مجتمعية مستعصية. فالتعامل مع الإدمان الرقمي، والتنمّر الإلكتروني، وتطبيع العنف أو الانحراف السلوكي، لا يكون بالعقاب فقط، بل بالضبط المسبق لمسارات التعرض.
وفي النهاية، فإن إعداد قانون ينظم استخدام الأطفال للتطبيقات ووسائل التواصل الاجتماعي ليس إعلان حرب على التكنولوجيا، بل هو محاولة لإعادة وضعها في إطارها الصحيح: أداة للبناء لا للهدم، ووسيلة للمعرفة لا للاستلاب. وإذا ما أُحسن إعداد هذا التشريع، وأُحسن تطبيقه، ورافقته حملات توعية حقيقية للأسر والمؤسسات التعليمية، فإنه قد يشكّل نقطة تحوّل مهمة في حماية النشء المصري، وصون أفكاره وسلوكياته، وضمان مستقبل أكثر توازنًا في عالم رقمي لا يرحم غير المستعدين.

