تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي في مصر: بين ترتيب متأخر وتسارع واعد في تبنّي التكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي في مصر: بين ترتيب متأخر وتسارع واعد في تبنّي التكنولوجي

كتب ا. د. وائل بدوى

يشهد العالم اليوم سباقاً غير مسبوق نحو تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت محركاً رئيسياً للتحول الاقتصادي والتكنولوجي في مختلف الدول. ومع توسع استخدام التطبيقات الذكية في الحياة اليومية، من المساعدات الرقمية إلى أدوات الإنتاجية وصناعة المحتوى، أصبحت قدرة الدول على تبني هذه التقنيات مؤشراً مهماً على جاهزيتها للاقتصاد الرقمي الجديد. وفي هذا السياق، تكشف بيانات حديثة عن وضع متباين لمصر في هذا المجال: فبينما لا يزال ترتيبها العالمي متأخراً نسبياً، تشير الأرقام في الوقت نفسه إلى تسارع واضح في وتيرة انتشار الذكاء الاصطناعي بين المستخدمين المصريين.

فوفقاً لتقرير مؤشر تبنّي الذكاء الاصطناعي لعام 2025 (AI Adoption Index 2025) الذي أعدّه باحثون في Cybernews، تحتل مصر المرتبة 56 من أصل 64 دولة تم تحليلها على مستوى العالم من حيث تبنّي المستخدمين لتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتشير التقديرات إلى أن نسبة التبني في مصر تبلغ نحو 18٪ من المستخدمين، وهي نسبة لا تزال أقل من العديد من الأسواق المتقدمة أو حتى بعض الاقتصادات الناشئة.

وقد اعتمد التقرير في منهجيته على تحليل بيانات تنزيلات أكثر 100 تطبيق ذكاء اصطناعي شيوعاً عبر متجري Apple App Store وGoogle Play، مع تعديل النتائج وفق حجم السكان في كل دولة. ويهدف هذا الأسلوب إلى تقديم صورة تقريبية عن مدى دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى الحياة اليومية للمستخدمين في مختلف الأسواق العالمية.

ورغم أن الترتيب الحالي لمصر يبدو متأخراً نسبياً، فإن التقرير يكشف عن مؤشر إيجابي مهم يتمثل في التسارع الكبير في معدل تبنّي الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الثلاث الماضية. فقد شهدت مصر نمواً ملحوظاً في استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث ارتفعت نسبة التبني من 2٪ في عام 2023 إلى 9٪ في عام 2024، لتصل إلى 18٪ في عام 2025. هذا النمو السريع يعكس دخول الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة انتشار أوسع بين المستخدمين المصريين.

ولا يقتصر هذا التحول على نسب الاستخدام فحسب، بل يظهر أيضاً في أرقام تنزيل التطبيقات. فقد ارتفع عدد تنزيلات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مصر من 1.8 مليون تنزيل في عام 2023 إلى 10 ملايين تنزيل في عام 2024، ثم قفز إلى 21.7 مليون تنزيل في عام 2025. ويمثل ذلك زيادة سنوية تقارب 100٪ بين عامي 2024 و2025، وهو معدل نمو يعكس اتساع الاهتمام الشعبي بهذه التقنيات.

هذا الاتجاه يتماشى مع التحولات العالمية التي شهدت انتشاراً سريعاً لأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل أدوات الكتابة الذكية، وتوليد الصور، والمساعدات البرمجية، بالإضافة إلى تطبيقات الإنتاجية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. ففي غضون سنوات قليلة فقط، انتقلت هذه الأدوات من كونها تقنيات متخصصة إلى أدوات يومية يستخدمها ملايين الأفراد في العمل والدراسة وصناعة المحتوى.

لكن رغم هذا النمو السريع، لا تزال مصر تبدأ من قاعدة منخفضة نسبياً مقارنة بالدول الرائدة في الذكاء الاصطناعي. ويرجع ذلك إلى مجموعة من التحديات الهيكلية التي تؤثر على سرعة انتشار التكنولوجيا، وعلى رأسها مستوى الثقافة الرقمية لدى السكان.

تشير التقديرات إلى أن نحو 40٪ من سكان مصر يفتقرون إلى المهارات الرقمية الأساسية، وهو ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام تبني التقنيات الحديثة، بما في ذلك تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فالتعامل مع الأدوات الرقمية يتطلب فهماً أولياً للبيئات البرمجية والخدمات السحابية والتطبيقات الإلكترونية، وهي مهارات لا تزال غير متاحة على نطاق واسع لدى جميع الفئات.

هذا النقص في الثقافة الرقمية لا يؤثر فقط على المستخدمين الأفراد، بل يمتد أيضاً إلى بيئة الأعمال. فالشركات التي لا يمتلك موظفوها المهارات الرقمية الأساسية تجد صعوبة في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في عملياتها اليومية، سواء في تحليل البيانات أو أتمتة الخدمات أو تحسين الإنتاجية.

وإلى جانب المهارات الرقمية الأساسية، تواجه مصر تحدياً آخر يتمثل في ندرة المهارات الرقمية المتقدمة. فوفقاً لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الواردة في التقرير، لا يمتلك سوى 1.8٪ من المصريين مهارات رقمية متقدمة، وهي نسبة تضع مصر في مرتبة متأخرة مقارنة بدول عربية أخرى.

وتشمل هذه المهارات المتقدمة مجالات أساسية لتطوير الذكاء الاصطناعي مثل علم البيانات، وتعلم الآلة، وتطوير البرمجيات، وإدارة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وتعد هذه التخصصات ضرورية لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي محلية أو لتطوير تطبيقات جديدة تلبي احتياجات السوق.

إن نقص هذه الكفاءات يحد من قدرة الشركات الناشئة والمؤسسات الصناعية على تطوير حلول ذكاء اصطناعي محلية، ويجعل كثيراً من الشركات تعتمد على حلول جاهزة أو خدمات خارجية بدلاً من بناء تقنياتها الخاصة.

إلى جانب ذلك، يشير التقرير إلى أن البنية التحتية الحاسوبية تمثل تحدياً إضافياً أمام توسع الذكاء الاصطناعي في مصر. فأنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة تحتاج إلى موارد تقنية كبيرة، مثل الحوسبة عالية الأداء، ومراكز البيانات المتقدمة، والبنية التحتية السحابية، وشبكات الإنترنت عالية السرعة.

ورغم أن مصر شهدت توسعاً ملحوظاً في مشاريع التحول الرقمي خلال السنوات الأخيرة، فإن القدرة الحاسوبية المحلية لا تزال محدودة نسبياً مقارنة بالدول المتقدمة. ولذلك تعتمد العديد من الشركات المصرية على مزودي الخدمات السحابية العالميين للحصول على القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، فإن المؤشرات الحالية تدل على وجود طلب متزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل السوق المصري. فالنمو السريع في تنزيل التطبيقات يشير إلى أن المستخدمين بدأوا يكتشفون الإمكانات العملية لهذه الأدوات، سواء في التعليم أو الأعمال أو صناعة المحتوى الرقمي.

بالنسبة للشركات، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً واسعة لتحسين الأداء الاقتصادي. فهناك فرص واضحة لاستخدامه في أتمتة التسويق، وخدمات العملاء عبر روبوتات المحادثة، وتحليل البيانات والتنبؤات، وتحسين المبيعات، وإنتاج المحتوى وترجمته وتوطينه.

كما أن الحجم الكبير للسوق المصري وازدياد استخدام الإنترنت والهواتف الذكية يجعلان من مصر بيئة واعدة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموجهة للمستخدم العربي. ويمكن للشركات الناشئة التي تنجح في تطوير حلول تتوافق مع اللغة العربية واحتياجات السوق المحلية أن تحقق فرص نمو كبيرة في السنوات المقبلة.

ومن منظور اقتصادي أوسع، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي اليوم باعتباره إحدى التقنيات الأساسية التي ستشكل الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة. فالدول التي تنجح في بناء منظومة قوية للذكاء الاصطناعي ستتمكن من تعزيز الإنتاجية، وخلق صناعات جديدة، وتحقيق قفزات في الابتكار التكنولوجي.

وبالنسبة لمصر، فإن التحدي لا يكمن فقط في رفع ترتيبها في المؤشرات الدولية، بل في بناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي تشمل التعليم الرقمي، وتنمية المهارات المتقدمة، وتطوير البنية التحتية الحاسوبية، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال.

إذا نجحت مصر في سد فجوة المهارات الرقمية، وتوسيع قدراتها التكنولوجية، فإن الزيادة السريعة الحالية في تبني الذكاء الاصطناعي قد تتحول إلى نقطة انطلاق حقيقية نحو اقتصاد رقمي أكثر تقدماً. وفي هذه الحالة، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح أحد أهم محركات النمو الاقتصادي، وأن يفتح الباب أمام فرص جديدة في الابتكار والصناعة والخدمات داخل الاقتصاد المصري.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى