ناسا تطلق أرتميس-2 نحو القمر وتفتح صفحة جديدة في تاريخ الرحلات المأهولة

ناسا تطلق أرتميس-2 نحو القمر وتفتح صفحة جديدة في تاريخ الرحلات المأهولة
كتب ا. د. وائل بدوى
في مشهد أعاد إلى الذاكرة أصداء العصر الذهبي لاستكشاف الفضاء، أطلقت وكالة الفضاء الأميركية ناسا مهمة أرتميس-2 في 1 أبريل 2026 من مركز كينيدي للفضاء بولاية فلوريدا، وعلى متنها أربعة رواد فضاء في رحلة تاريخية حول القمر، هي الأولى من نوعها منذ أكثر من نصف قرن. ويمثل هذا الإطلاق لحظة مفصلية ليس فقط في البرنامج الفضائي الأميركي، بل في مسار العودة البشرية إلى الفضاء السحيق، بعد عقود طويلة انحصرت خلالها الرحلات المأهولة في المدار الأرضي المنخفض ومحطات الفضاء.
وتحمل مهمة أرتميس-2 أربعة رواد هم ريد وايزمان، وفيكتور جلوفر، وكريستينا كوك من ناسا، إضافة إلى جيريمي هانسن من وكالة الفضاء الكندية. وتكتسب هذه التشكيلة طابعًا رمزيًا وتاريخيًا أيضًا، إذ سيصبح جلوفر أول رائد فضاء أسود يشارك في مهمة متجهة إلى جوار القمر، وكوك أول امرأة تنضم إلى بعثة قمرية، بينما يصبح هانسن أول كندي وأول غير أميركي يشارك في رحلة مأهولة إلى محيط القمر.


المهمة، وفق ناسا ورويترز، تستمر نحو 10 أيام، وتهدف إلى التحليق حول القمر والعودة إلى الأرض، مع اختبار أنظمة مركبة أوريون وصاروخ نظام الإطلاق الفضائي SLS في ظروف الفضاء العميق. وهذه الرحلة ليست هبوطًا على سطح القمر، لكنها خطوة اختبارية حاسمة تسبق المهمات اللاحقة التي تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى إعادة البشر إلى سطح القمر وإقامة حضور مستدام هناك.
وتكمن القيمة الكبرى لهذه الرحلة في أنها تعيد الإنسان لأول مرة منذ حقبة أبولو إلى ما وراء المدار الأرضي المنخفض. فمنذ آخر رحلة مأهولة إلى القمر في ديسمبر 1972 ضمن أبولو 17، لم يبتعد أي طاقم بشري بهذا الشكل عن الأرض. ولهذا فإن أرتميس-2 ليست مجرد إطلاق ناجح لصاروخ جديد، بل إعلان فعلي عن عودة الطموح البشري إلى الفضاء السحيق، في وقت يتزايد فيه التنافس الدولي على القمر ومحيطه وموارده ودلالاته الجيوسياسية والعلمية.
النجاح الحالي يبني مباشرة على ما حققته مهمة أرتميس-1 غير المأهولة في عام 2022، حين دارت مركبة أوريون حول القمر وعادت بسلام، ممهدة الطريق لاختبار النسخة المأهولة في أرتميس-2. واليوم، مع وجود رواد فضاء على متن المركبة، تنتقل ناسا من مرحلة إثبات صلاحية الأنظمة من دون بشر إلى مرحلة اختبار الأداء البشري والتقني معًا، وهي مرحلة أكثر تعقيدًا بكثير، لأن النجاح فيها لا يقاس فقط بوصول المركبة، بل أيضًا بسلامة الطاقم وكفاءة الأنظمة الحيوية والملاحية والعملياتية في بيئة الفضاء العميق.
وبحسب تحديثات ناسا بعد الإطلاق، بدأت المركبة بالفعل تنفيذ مناورات رفع الحضيض ورفع الأوج من أجل ضبط المدار وتهيئة المسار اللاحق، ما يعني أن المهمة دخلت سريعًا في مرحلتها التشغيلية الفعلية بعد الإقلاع. كما أشارت ناسا إلى أن الطاقم بدأ إجراءات التهيئة للحياة داخل المركبة، وهو ما يعكس الانتقال من لحظة الإطلاق الرمزية إلى إدارة رحلة معقدة تتضمن اختبارات تقنية متتابعة في الفضاء.
ويأتي إطلاق أرتميس-2 أيضًا في لحظة تنافس استراتيجي واضح، إذ تربط تقارير رويترز هذه المهمة بالسياق الأوسع للسباق القمري العالمي، خاصة مع سعي الصين إلى إرسال مهمة مأهولة إلى القمر بحلول 2030. ومن ثم فإن الرحلة ليست حدثًا علميًا وتكنولوجيًا فقط، بل تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تتعلق بمن يضع القواعد الأولى للوجود البشري طويل الأمد في الفضاء القمري، ومن يمتلك اليد العليا في تشكيل الاقتصاد الفضائي المقبل.
كما تطرح المهمة أسئلة مهمة حول مستقبل نموذج العمل الفضائي الأميركي نفسه. فصاروخ SLS ومركبة أوريون يمثلان استمرارًا لنهج تقليدي تقوده شركات صناعات فضائية كبرى مثل بوينغ ولوكهيد مارتن ونورثروب غرومان، في وقت تتوسع فيه أدوار الشركات التجارية الجديدة مثل سبيس إكس وبلو أوريجن. وقد أشارت رويترز إلى أن نجاح أو تعثر أرتميس-2 ستكون له آثار مباشرة على مستقبل هذا النموذج، وعلى القرارات المتعلقة بكلفة الإطلاقات المقبلة وطبيعة الشراكات الصناعية في البرنامج القمري الأميركي.
لكن أبعد من الحسابات السياسية والصناعية، يبقى للحدث معنى إنساني أعمق. فالقمر، الذي بدا لكثيرين بعد أبولو وكأنه صفحة أغلقت، يعود اليوم ليصبح هدفًا عمليًا ومختبرًا للعودة إلى الاستكشاف البشري بعيد المدى. وأرتميس-2 تعيد تعريف الحلم نفسه: لم يعد الأمر مرتبطًا فقط بزيارة رمزية لجرم سماوي، بل ببناء خبرة تشغيلية، ونظام لوجستي، وإطار تعاون دولي يمكن أن يقود لاحقًا إلى وجود بشري أطول على القمر، ثم إلى الرحلة الأكبر نحو المريخ.
لهذا، فإن إطلاق أرتميس-2 ليس خبرًا عابرًا في سجل المهمات الفضائية، بل لحظة تاريخية بكل معنى الكلمة. إنه إعلان بأن الإنسان قرر العودة إلى ما هو أبعد من مداره المعتاد، وأن نصف القرن الذي فصل بين آخر رحلة قمرية مأهولة وهذه الرحلة الجديدة لم ينهِ الحلم، بل أجّله فقط. واليوم، مع انطلاق أربعة رواد فضاء نحو القمر، تعود البشرية لتكتب فصلًا جديدًا من قصة الاستكشاف، فصلًا يمتزج فيه العلم بالطموح، والتكنولوجيا بالرمزية، والمستقبل بذاكرة أبولو القديمة.



