
من المدرج إلى صناعة القرار: حكاية علم تحوّل إلى رسالة
كتب ا د وائل بدوى
في زمنٍ أصبح فيه كثيرون ينظرون إلى التعليم باعتباره مجرد شهادة تُعلّق على الحائط، ما زال هناك شباب يرون فيه شيئًا مختلفًا تمامًا؛ يرونه رسالة، ومسؤولية، وطريقًا للتغيير. هؤلاء لا يدرسون فقط من أجل وظيفة، بل من أجل فكرة، ومن أجل أثر يمتد إلى المجتمع كله. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم عبد العزيز قنصوة، الذي قدّم رحلة ملهمة تعكس كيف يمكن للعلم أن يتحول إلى مشروع حياة.
بدأت الحكاية من قاعات الدراسة، حيث اختار مجالًا دقيقًا ومليئًا بالتحديات: الهندسة البيئية، بتخصصاتها المرتبطة بتحلية ومعالجة المياه وتكنولوجيا النانو. وهو مجال قد لا يكون الأكثر شهرة بين التخصصات، لكنه بلا شك من أكثرها أهمية، خاصة في ظل التحديات العالمية المتعلقة بالمياه والطاقة. لم يكن الاختيار عشوائيًا، بل كان مبنيًا على رؤية واضحة بأن المستقبل سيحتاج إلى حلول علمية حقيقية في هذه المجالات الحيوية.
ومع مرور الوقت، لم يكتفِ بالتحصيل الأكاديمي التقليدي، بل انخرط في البحث العلمي التطبيقي، موجّهًا جهوده نحو قضايا واقعية تمس حياة الناس. فكانت أبحاثه منشورة على المستوى الدولي، تحمل بصمة علمية تسعى إلى تقديم حلول، لا مجرد نظريات. وهنا يظهر الفارق بين من يدرس ليعرف، ومن يدرس ليؤثر.
لكن مسيرته لم تتوقف عند حدود البحث والتدريس. فداخل الجامعة، برز دوره في تطوير التعليم الهندسي، ودعم الشراكات الدولية، والمساهمة في بناء بيئة تعليمية أكثر ارتباطًا بالعالم وباحتياجاته. لم يكن يرى الجامعة كمؤسسة مغلقة، بل كجسر يصل بين المعرفة وسوق العمل، وبين النظرية والتطبيق.
هذا التوجه الطبيعي نحو التأثير قاده إلى العمل الإداري، حيث بدأ مسارًا جديدًا داخل جامعة الإسكندرية، متنقلًا بين مواقع المسؤولية، حتى تولى رئاسة الجامعة. وهنا لم يعد الدور مقتصرًا على قاعة محاضرات، بل امتد إلى إدارة مؤسسة تعليمية كبرى، بكل ما تحمله من تحديات تتعلق بالجودة، والتطوير، والتنافسية.
غير أن التحول الأكبر جاء عندما خرج من أسوار الجامعة إلى مجال أوسع، حيث تولى مسؤولية تنفيذية على مستوى محافظة كاملة، محافظًا للإسكندرية. كانت هذه الخطوة انتقالًا نوعيًا من عالم الأكاديميا إلى واقع الإدارة العامة، حيث لا تكفي المعرفة وحدها، بل يحتاج الأمر إلى مهارات التعامل مع البشر، وإدارة الأزمات، واتخاذ قرارات تحت ضغط.
هذه التجربة أضافت بعدًا جديدًا إلى شخصيته؛ فقد تعلّم أن الإدارة ليست فقط خططًا وأرقامًا، بل هي تفاعل يومي مع الناس، وفهم لاحتياجاتهم، وقدرة على الموازنة بين الممكن والمأمول. وهنا يكتمل البناء: علم، وخبرة، واحتكاك مباشر بالواقع.
وفي عام 2026، جاء القرار الذي وضعه في موقع أكثر تأثيرًا، حين تولى مسؤولية وزارة التعليم العالي. وهو موقع لا يتعلق فقط بإدارة قطاع، بل برسم ملامح مستقبل أجيال كاملة. ومن هنا، فإن التحدي لم يعد شخصيًا، بل أصبح وطنيًا.
الملفات المطروحة أمامه تعكس طبيعة المرحلة: التوسع في الجامعات المتخصصة، دعم الابتكار والتكنولوجيا، وربط التعليم باحتياجات سوق العمل. وهي قضايا لم يعد التعامل معها خيارًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العالم المتغير، الذي لم يعد يعترف إلا بالعلم المرتبط بالإنتاج.
لكن ما يميز هذه الرحلة أنها لم تكن سلسلة من المناصب، بل مسارًا متكاملًا بدأ بفكرة بسيطة: أن العلم رسالة. من طالب شغوف، إلى باحث، إلى أستاذ، إلى قائد أكاديمي، إلى مسؤول تنفيذي، ثم إلى صانع قرار على مستوى الدولة، تتضح خيوط قصة تُلخص معنى الإصرار والتدرج والتراكم.
إن مثل هذه النماذج تعيد طرح سؤال مهم: هل يمكن للعلم أن يكون طريقًا حقيقيًا للتغيير؟ والإجابة هنا ليست نظرية، بل تجربة حية تؤكد أن من يبدأ بالعلم، ويستمر بالإرادة، ويُراكم الخبرة، يمكنه أن يصل إلى موقع يؤثر فيه على مستقبل مجتمع بأكمله.
ليست القصة مجرد نجاح فردي، بل رسالة أوسع لكل شاب يرى في التعليم أكثر من شهادة. رسالة تقول إن الطريق قد يكون صعبًا، وقد لا يكون سريعًا، لكنه في النهاية قادر على أن يصنع فرقًا حقيقيًا.
اختيار صادق… أهله.



