تكنولوجيا

المحكمة العليا الأمريكية تحسم الجدل: لا حقوق نشر للأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري

المحكمة العليا الأمريكية تحسم الجدل: لا حقوق نشر للأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري

كتب ا. د. وائل بدوى

في خطوة قانونية مهمة سيكون لها تأثير واسع على مستقبل الصناعات الإبداعية والتكنولوجية، قررت المحكمة العليا في الولايات المتحدة في 2 مارس 2026 عدم النظر في قضية Thaler v. Perlmutter، وهو قرار يعني عمليًا تثبيت الأحكام الصادرة من المحاكم الأدنى درجة، والتي تنص بوضوح على أن الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل لا يمكن أن تحصل على حماية حقوق النشر (Copyright).

هذا القرار يمثل نقطة فاصلة في الجدل القانوني الدائر منذ سنوات حول مكانة الذكاء الاصطناعي في النظام القانوني للملكية الفكرية، ويعيد التأكيد على مبدأ تقليدي راسخ في القانون الأمريكي: الحقوق الإبداعية ترتبط بالإنسان فقط.

خلفية القضية

القضية تعود إلى الباحث الأمريكي ستيفن ثالر الذي حاول تسجيل عمل فني في مكتب حقوق النشر الأمريكي باعتبار أن الذكاء الاصطناعي هو المؤلف الحقيقي للعمل.

ثالر كان قد طور نظام ذكاء اصطناعي أسماه DABUS، وقدم طلبًا رسميًا لتسجيل العمل باسم النظام نفسه كمؤلف.

لكن مكتب حقوق النشر الأمريكي رفض الطلب، مؤكدًا أن القانون الأمريكي يفرض شرطًا واضحًا:

المؤلف يجب أن يكون إنسانًا طبيعيًا.

بعد سلسلة من الطعون أمام المحاكم الفيدرالية، أيدت المحاكم هذا الموقف. وعندما وصلت القضية إلى المحكمة العليا الأمريكية، قررت الأخيرة عدم قبول النظر فيها، وهو ما يعني تثبيت الحكم السابق بشكل نهائي.

أولًا: ماذا يعني القرار قانونيًا؟

قرار المحكمة العليا لم يصدر حكمًا جديدًا بقدر ما أكد مبدأ قائمًا بالفعل. ويمكن تلخيص أهم الآثار القانونية في عدة نقاط رئيسية.

1. التأليف محصور في البشر

القانون الأمريكي لحقوق النشر يستخدم مصطلح “المؤلف”، وقد أكدت المحاكم أن هذا المصطلح يعني شخصًا طبيعيًا فقط.

وبالتالي:

  • لا يمكن تسجيل الذكاء الاصطناعي كمؤلف.
  • لا يمكن أن يمتلك الذكاء الاصطناعي حقوقًا قانونية.
  • أي عمل ينتجه الذكاء الاصطناعي دون تدخل بشري جوهري لا يتمتع بالحماية القانونية.

هذا المبدأ يرسخ ما يسمى بقاعدة “Human Authorship” أو التأليف البشري الإجباري.

2. الأعمال الناتجة عن الذكاء الاصطناعي تدخل في الملكية العامة

إذا كان العمل قد تم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي فقط دون تدخل بشري مؤثر، فإن هذا العمل يعتبر قانونيًا ضمن الملكية العامة (Public Domain).

وهذا يعني أن:

  • أي شخص يمكنه استخدام العمل.
  • لا يمكن لصاحب النظام أو المستخدم المطالبة بحقوق حصرية عليه.
  • لا توجد حماية قانونية تمنع النسخ أو إعادة الاستخدام.

بعبارة أخرى، لا أحد يمتلك العمل قانونيًا.

3. الذكاء الاصطناعي أداة وليس مبدعًا

المحاكم الأمريكية صنفت الذكاء الاصطناعي قانونيًا باعتباره أداة وليس مبدعًا.

وتمت مقارنة الذكاء الاصطناعي بأدوات مثل:

  • الكاميرات
  • أجهزة المختبرات
  • برامج التصميم

أي أن الذكاء الاصطناعي يشبه أداة يستخدمها الإنسان للإبداع، لكنه لا يعتبر صاحب الإبداع نفسه.

4. لا يمكن التحايل عبر مبدأ “العمل مقابل الأجر”

في القانون الأمريكي هناك مفهوم يسمى Work Made for Hire، وهو يسمح للشركات بامتلاك حقوق الأعمال التي ينتجها الموظفون.

لكن المحاكم أكدت أن هذا المبدأ لا يمكن استخدامه للتحايل على شرط التأليف البشري.

فإذا كان العمل أنتجه الذكاء الاصطناعي بالكامل، فلا يمكن تسجيله باسم شركة أو مؤسسة عبر هذا المبدأ.

ثانيًا: التأثير العملي على الشركات والصناعات الإبداعية

هذا القرار له آثار مباشرة على الشركات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي في الإنتاج الإبداعي.

1. ضرورة توثيق دور الإنسان

الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي أصبحت مطالبة بتوثيق الدور الإبداعي البشري بدقة.

وهذا يشمل:

  • تسجيل مراحل كتابة الأوامر (prompts)
  • توثيق عمليات التعديل
  • شرح عملية الاختيار والترتيب
  • تسجيل مراحل التحرير البشري

لأن إثبات هذه المساهمات قد يكون ضروريًا لاحقًا للحصول على حقوق النشر.

2. مشاكل في التأمين والتوزيع

بعض شركات التأمين بدأت بالفعل في استبعاد المحتوى المنتج بالكامل بالذكاء الاصطناعي من التغطية القانونية.

كما قد تواجه الشركات مشاكل في:

  • توزيع المحتوى
  • بيعه أو ترخيصه
  • حماية الملكية الفكرية

وذلك لأن العمل غير المحمي قانونيًا يمكن لأي جهة استخدامه دون قيود.

3. مشكلة “الصندوق الأسود”

حتى الآن لا يوجد معيار واضح يحدد:

كم يجب أن يكون حجم التدخل البشري ليعتبر العمل محميًا؟

مكتب حقوق النشر الأمريكي يستخدم معيارًا يسمى:

Meaningful Human Involvement

أي مشاركة بشرية ذات معنى.

لكن هذا المعيار يتم تقييمه لكل حالة على حدة.

4. بدائل قانونية لحماية الأعمال

إذا كان العمل يعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي، فقد تضطر الشركات إلى استخدام وسائل حماية أخرى مثل:

  • الأسرار التجارية (Trade Secrets)
  • براءات التصميم (Design Patents)
  • العقود التقييدية (Restrictive Contracts)

بدلًا من الاعتماد على قانون حقوق النشر.

ثالثًا: قضايا قانونية لم تُحسم بعد

رغم أهمية القرار، إلا أن بعض المسائل القانونية ما زالت مفتوحة.

قضية Allen v. Perlmutter

في ولاية كولورادو توجد قضية أخرى قيد النظر تتعلق بفنان استخدم أكثر من 600 أمر توجيهي (prompt) لإنتاج عمل فني عبر الذكاء الاصطناعي.

السؤال القانوني هنا هو:

هل هذا القدر من التفاعل البشري كافٍ للحصول على حقوق النشر؟

النتيجة قد تحدد مستقبل الأعمال الفنية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

رابعًا: هل يمكن تغيير هذا القانون؟

القضاة الأمريكيون أشاروا بوضوح إلى أن أي تغيير في هذا المبدأ لن يأتي من المحاكم.

بل يجب أن يتم عبر الكونغرس الأمريكي من خلال تعديل قانون حقوق النشر.

أي أن حماية الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل قد تتطلب:

  • تشريعًا جديدًا
  • تعريفًا جديدًا للمؤلف
  • أو إطارًا قانونيًا جديدًا للملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

الخلاصة

قرار المحكمة العليا الأمريكية في قضية Thaler v. Perlmutter يؤكد حقيقة قانونية مهمة في عصر الذكاء الاصطناعي:

الإبداع القانوني ما زال إنسانيًا.

الذكاء الاصطناعي يمكنه إنتاج نصوص وصور وأفلام وموسيقى، لكنه في نظر القانون أداة وليس مؤلفًا.

وهذا يعني أن مستقبل الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي سيعتمد على العلاقة بين الإنسان والآلة:

كلما كان للإنسان دور إبداعي واضح، كان العمل قابلاً للحماية.

أما إذا اختفى الإنسان من العملية الإبداعية، فإن العمل يصبح ببساطة… ملكًا للجميع.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى