هل سيدمر الذكاء الاصطناعي الجامعات فعلًا؟

هل سيدمر الذكاء الاصطناعي الجامعات فعلًا؟
كتب ا. د. وائل بدوى
أثار مقال حديث للفيلسوف السياسي بول ساجار، أعادت مدونة «لايتر ريبورتس» نشره في السادس من أبريل 2026 بعد ظهوره أولًا على منصة «أنهيرد» في مارس، نقاشًا واسعًا في الأوساط الأكاديمية تحت عنوان صادم: «الذكاء الاصطناعي سيدمر الجامعات». قوة المقال لا تأتي من العنوان وحده، بل من أنه يضع إصبعه على جرح حقيقي داخل التعليم العالي: هل ما زالت الجامعة قادرة على التحقق من أن الطالب يتعلم فعلًا، أم أنها أصبحت تمنح درجات على أعمال تستطيع الآلة إنجازها في دقائق؟
ينطلق ساجار من فكرة حادة ومقلقة، هي أن نماذج اللغة الكبيرة لم تعد مجرد أداة مساعدة أو تحدٍّ تربوي عابر، بل أصبحت تهديدًا وجوديًّا للجامعة، وبخاصة في التخصصات الإنسانية والاجتماعية التي تعتمد بصورة أساسية على المقالات والأبحاث المنزلية والتكليفات الكتابية بوصفها وسيلة لقياس الفهم والتحليل. فحين يستطيع الطالب أن يطلب من أداة ذكية كتابة مقال متماسك ومنظم ومقنع، تصبح المشكلة أعمق من مجرد «غش» بالمعنى التقليدي؛ لأن الجامعة هنا لا تفقد فقط وسيلة التقييم، بل تفقد كذلك قدرتها على التمييز بين من تعلم ومن اكتفى بإخراج نص مقبول شكليًّا.
جوهر القلق في هذا الطرح أن أزمة الجامعات لم تعد محصورة في الانتحال أو النسخ المباشر، وهي أمور كانت البرامج التقنية قادرة نسبيًّا على كشفها، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدًا: مرحلة النصوص الجديدة التي لم تُنسخ من مكان سابق، لكنها أيضًا لم تنبع من جهد الطالب أو من تفكيره الخاص. وهنا تنهار الحدود التقليدية التي بنت عليها الجامعة أساليبها في التقييم لعقود طويلة. ولهذا يرى ساجار أن المسألة لا تتعلق فقط بوسائل ضبط الامتحانات، بل بطبيعة العملية التعليمية نفسها في عصر تستطيع فيه الآلة أن تحاكي الكتابة الأكاديمية بدرجة تكفي لتمرير كثير من الأعمال الجامعية.
ومن أخطر النقاط التي يطرحها هذا الاتجاه النقدي أن أدوات كشف الغش نفسها أصبحت موضع شك. فبرامج كشف الانتحال لا تنفع كثيرًا أمام نص جديد تُنتجه النماذج الذكية ولا تقتبسه حرفيًّا من مصدر منشور، أما أدوات كشف النصوص المولدة آليًّا فتعاني مشكلة أخرى، وهي ضعف الدقة وإمكان إعطاء نتائج خاطئة، فتتهم بريئًا أو تبرئ من استعان بالأداة. هذا الوضع يخلق ما يشبه المنطقة الرمادية التي تمنح الطالب مساحة إنكار واسعة، وتضع الأستاذ أمام مأزق أخلاقي وقانوني: فهو قد يشك، لكنه لا يملك دليلًا كافيًا يثبت به الاتهام على نحو عادل.
لكن الحجة الأعمق والأخطر في المقال ليست تقنية، بل فلسفية وتربوية. فالمسألة، في نظر ساجار، لا تتعلق فقط بمن كتب الواجب، بل بماهية الكتابة نفسها. الكتابة في التعليم ليست زينة شكلية، وليست مجرد وسيلة لإظهار ما نعرفه، بل هي جزء من عملية التفكير ذاتها. حين يجلس الطالب ليقرأ، ثم يختار، ثم يصوغ، ثم يتردد، ثم يمحو ويعيد البناء، فهو لا يدوّن معرفة جاهزة، بل يصنع فهمه الخاص عبر الصراع مع الفكرة. لهذا تبدو الاختصارات التي يوفرها الذكاء الاصطناعي خطيرة؛ لأنها تعطي الطالب نصًّا نهائيًّا من دون أن يمر هو بالرحلة الذهنية التي تُنتج التعلم العميق.
ومن هنا يصل المقال إلى النتيجة الأكثر استفزازًا: إذا استمرت الجامعات في استخدام أساليب التقييم نفسها، فإنها ستجد نفسها تمنح الشهادات لطلاب قد لا يمتلكون فعلًا المهارات التي يُفترض أن الجامعة صقلتها فيهم. يصبح الطالب قادرًا على تسليم مقالات مقبولة، لكنه عاجز عن القراءة المتأنية، أو بناء الحجة، أو الكتابة المستقلة، أو التفكير النقدي الممتد. وبذلك لا يدمر الذكاء الاصطناعي الجامعة عبر اقتحام مبانيها أو إغلاقها، بل يدمرها من الداخل حين يفرغ الشهادة من مضمونها، ويحول العملية التعليمية إلى شكل بلا جوهر.
الحلول التي يطرحها ساجار، ويؤيده فيها بعض المعلقين، تبدو في ظاهرها رجوعًا إلى الوراء: امتحانات ورقية داخل القاعات، تقييمات شفوية، تقليل الاعتماد على الواجبات المنزلية المفتوحة، ومنع الوصول إلى الإنترنت أثناء بعض صور التقييم. هذا الطرح لا يصدر عن حنين رومانسي إلى الماضي بقدر ما يصدر عن شعور بأن الجامعة تحتاج إلى العودة إلى لحظة يمكن فيها التحقق من أن الطالب يفكر بنفسه ويكتب بنفسه ويجيب بنفسه. بل إن بعض الأساتذة، وفق نقاشات أوسع في التعليم العالي، بدأوا بالفعل تجربة أساليب تعتمد أكثر على الحوار الشفهي، والكتابة داخل الصف، والنقاشات المباشرة، بوصفها وسائل أكثر مقاومة للاعتماد الكامل على الأدوات الذكية.
غير أن الصورة ليست أحادية. فالمقال، كما أظهرت التعليقات والنقاشات المحيطة به، أثار انقسامًا واضحًا بين الأكاديميين. هناك من رأى أنه يصف بدقة ما يحدث فعلًا، وأن الجامعات تعيش أزمة حقيقية في الصدق الأكاديمي، وأن كثيرًا من الطلاب باتوا يبحثون عن إنجاز المهمة بأقل جهد ذهني ممكن. وفي المقابل، هناك من يرى أن المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي وحده، بل في نظام تقييم قديم ظل لسنوات يختزل التعلم في واجبات يمكن التنبؤ بقوالبها، وفي مقالات متشابهة، وفي ثقافة جامعية جعلت الشهادة هي الهدف النهائي، لا بناء العقل. من هذا المنظور، الذكاء الاصطناعي لم يخلق الأزمة، بل كشفها وكبّرها وعجّل بانفجارها.
وهنا تبرز نقطة شديدة الأهمية: هل الجامعة في أزمة بسبب الذكاء الاصطناعي، أم بسبب التحول الطويل الذي جعلها عند بعض الطلاب «مصنع شهادات» أكثر منها مؤسسة تكوين فكري؟ إذا كان الطالب يبحث عن الدرجة فقط، ويقيس كل شيء بسؤال: ماذا سيأتي في الامتحان؟ وكيف أحصل على الشهادة بأقل كلفة؟ فإن الأداة الذكية تصبح مجرد امتداد منطقي لمنظومة تعليمية فقدت جزءًا من رسالتها الأصلية. الذكاء الاصطناعي، في هذه الحالة، لا يهدم مبنى سليمًا، بل يكشف هشاشة قائمة أصلًا في الفهم الاجتماعي لوظيفة الجامعة.
ومع ذلك، فإن المبالغة في إعلان «نهاية الجامعة» قد تكون بدورها تبسيطًا مخلًّا. فحتى المقال المعروض على «لايتر ريبورتس» رافقته ملاحظات تشكك في أن التهديد وجودي بالمعنى الكامل، لأن الجامعات ما زال بإمكانها تعديل أساليب التقييم والعودة إلى صيغ تمنع الاختصار الآلي. إذا كان الطالب سيواجه في النهاية امتحانًا حضوريًّا أو مناقشة شفهية أو كتابة مباشرة تحت الإشراف، فإن مصلحته التعليمية ستدفعه إلى التعلم الحقيقي، لا إلى الاتكال الكامل على الأداة. بهذا المعنى، قد يكون الذكاء الاصطناعي تهديدًا قاسيًا لأنماط جامدة من التعليم، لكنه ليس بالضرورة حكمًا نهائيًّا على فكرة الجامعة نفسها.
والأرجح أن الجامعات التي ستنجو ليست تلك التي ستخوض حربًا ساذجة ضد التكنولوجيا، ولا تلك التي ستستسلم لها كليًّا، بل تلك التي ستعيد تعريف ما ينبغي أن يُقيَّم أصلًا. فإذا كانت الآلة تستطيع أن تنتج نصًّا مرتبًا، فعلى الجامعة أن تنتقل إلى ما وراء النص وحده: إلى المناقشة، والدفاع عن الفكرة، والتطبيق العملي، والربط بين المعرفة والسياق، وإظهار أثر التعلم في شخصية الطالب ومنطقه وقدرته على التمييز والحكم. فالخطر الحقيقي ليس أن توجد أداة تكتب، بل أن تصبح الجامعة راضية عن نص مكتوب من دون أن تسأل: هل فَهِم صاحبه ما فيه؟
إن المقال المثير للجدل ينجح، حتى لو اختلفنا مع بعض حدته، في توجيه إنذار لا يجوز تجاهله. الذكاء الاصطناعي يضع التعليم العالي أمام امتحان مصيري: إما أن تتمسك الجامعة بوظائفها العميقة بوصفها مكانًا لتكوين العقل، وإما أن تنزلق إلى الاكتفاء بمنح أوراق اعتماد لطلاب قد لا يمتلكون من العلم إلا مظهره اللغوي. والسؤال الحاسم هنا ليس: هل نمنع الأدوات الذكية أم لا؟ بل: كيف نضمن ألا يصبح الطريق إلى الشهادة أقصر من الطريق إلى الفهم؟ لأن الجامعة إذا فقدت قدرتها على صناعة التفكير، فلن يدمرها الذكاء الاصطناعي وحده؛ بل سيدمرها أولًا تخليها هي عن معناها.



