
سؤال من عصر الفراعنة – هل سيدمر الذكاء الاصطناعي الجامعات… أم سيُعيد تعريفها؟
كتب ا. د. وائل بدوى
أثار المقال الذي نُشر مؤخرًا حول “أن الذكاء الاصطناعي سيدمر الجامعات” – المقال من هذا الرابط – موجة واسعة من الجدل، ليس فقط بسبب جرأة الطرح، بل لأنه يلامس قلقًا حقيقيًا داخل منظومة التعليم. فمع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبح السؤال مطروحًا بقوة: هل ما زالت الجامعة قادرة على ضمان أن الطالب يتعلم فعلًا، أم أنها أصبحت تمنح شهادات على أعمال يمكن للآلة إنجازها في دقائق؟
لكن هذا القلق—على شدته—ليس جديدًا كما يبدو.
إذا عدنا إلى التاريخ، سنجد أن مصر القديمة نفسها شهدت جدلًا مشابهًا عند اختراع الكتابة الهيروغليفية. كان هناك تخوف حقيقي آنذاك: هل ستؤدي الكتابة إلى تراجع الذاكرة؟ هل سيتوقف الإنسان عن الحفظ لأنه أصبح يمتلك مرجعًا خارجيًا يعود إليه؟ هل سيضعف “العلم في الصدر” لأنه أصبح “مكتوبًا على الحجر”؟
هذا النقاش، في جوهره، هو نفسه الذي نعيشه اليوم. الفرق الوحيد أن الأداة تغيرت: من الكتابة إلى الذكاء الاصطناعي. لكن القلق واحد: هل ستُضعف الأداة قدرات الإنسان بدل أن تعززها؟
التاريخ يجيبنا بهدوء: الأدوات لا تدمر العلم، لكنها تغير شكله.
الكتابة لم تُنهِ المعرفة، بل نقلتها من الحفظ الشفهي إلى التدوين، ومن الذاكرة الفردية إلى الذاكرة الجمعية. ثم جاءت الطباعة، فقيل إنها ستُفسد العلم لأنها ستجعل الكتب متاحة للجميع، ثم جاءت الحواسيب والإنترنت، وتكرر نفس القلق. وفي كل مرة، لم يختفِ التعلم، بل تغيّر، وتغير معه دور الإنسان.
واليوم، يقف الذكاء الاصطناعي في نفس المكان الذي وقفت فيه الكتابة منذ آلاف السنين: أداة جديدة تُربك النظام القديم.
المشكلة الحقيقية التي يكشفها الجدل ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في أن نظام التقييم في الجامعات لم يعد مناسبًا لعصره. حين يكون معيار التقييم هو “كتابة مقال”، فمن الطبيعي أن تتفوق آلة قادرة على إنتاج نص متماسك خلال ثوانٍ. لكن السؤال الأهم ليس: كيف نمنع الطالب من استخدام الأداة؟ بل: ماذا نريد أن نقيس أصلًا؟
هنا ينتقل النقاش من السؤال الخطأ إلى السؤال الصحيح.
السؤال الخطأ هو:
هل الذكاء الاصطناعي سيدمر الجامعات؟
أما السؤال الصحيح فهو:
ما شكل الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
هل ستظل الجامعة تقيس القدرة على الكتابة فقط؟ أم ستنتقل إلى قياس الفهم الحقيقي، والنقاش، والتحليل، والتطبيق، والقدرة على التفكير المستقل؟
هل سيظل الطالب مطالبًا بإنتاج نصوص، أم سيُطلب منه أن يشرح ويدافع ويناقش ويُبدع فيما وراء النص؟
تخيل لو طرحنا سؤالًا غريبًا اليوم:
هل يمكن أن توجد جامعة بدون كتابة وقراءة؟
الإجابة تبدو بديهية: بالطبع لا.
لكن هذه البداهة نفسها لم تكن موجودة قبل آلاف السنين.
وبنفس المنطق، قد يأتي وقت يصبح فيه السؤال:
كيف يمكن أن توجد جامعة بدون ذكاء اصطناعي؟
ليست المشكلة إذن في وجود الأداة، بل في كيفية دمجها وإعادة تعريف دور الإنسان في ظلها. الطالب لن يكون مجرد كاتب نصوص، بل مُحللًا، ومُقيّمًا، ومستخدمًا واعيًا للأدوات. والأستاذ لن يكون مجرد مصحح أوراق، بل موجّهًا للفكر، ومصممًا لتجارب التعلم.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى التفكير، بل يفرض علينا أن نرتقي به. لأنه ببساطة، إذا كانت الآلة تستطيع أن تكتب، فإن قيمة الإنسان ستكون في ما لا تستطيع الآلة أن تفعله بسهولة: الفهم العميق، الحكم، الإبداع، وربط المعنى بالسياق.
في النهاية، كل أداة علمية كبرى أثارت الخوف نفسه:
الكتابة، الطباعة، الحاسوب، الإنترنت… والآن الذكاء الاصطناعي.
وفي كل مرة، لم تُدمَّر الجامعات… بل تغيّرت.
والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
هل سينتهي التعليم؟
بل:
هل نحن مستعدون لتغييره؟



