المجلس الأعلى للجامعات يضع ضوابط الحضور الرقمي: أخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في دليل النزاهة الأكاديمية
كتب ا د وائل بدوى
في خطوة تعكس إدراكًا متقدمًا لحجم التحولات الرقمية وتأثيرها العميق على منظومة التعليم العالي، أصدر المجلس الأعلى للجامعات دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي، باعتباره إطارًا وطنيًا جامعًا يهدف إلى ضبط الممارسات الأكاديمية، وتعزيز الثقة في العملية التعليمية والبحثية، وحماية القيم الجامعية في عصر تتداخل فيه المعرفة مع التكنولوجيا، ويغيب فيه أحيانًا الحد الفاصل بين العام والخاص، والمؤسسي والشخصي.
ويحمل هذا الدليل أهمية خاصة لكونه لا يكتفي بتناول القضايا التقليدية للنزاهة العلمية، مثل الانتحال أو تزوير البيانات، بل يمتد ليغطي مجالات حديثة وحساسة، في مقدمتها استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية لأعضاء هيئة التدريس والطلاب والعاملين بالجامعات، بل وأداة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وصورة المؤسسات التعليمية.
الفصل الخامس: أخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي
جاء الفصل الخامس من الدليل، تحت عنوان «أخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي»، ليضع مجموعة شاملة من الضوابط والمعايير التي تنظم هذا الاستخدام داخل السياق الجامعي، إدراكًا لما تحمله هذه المنصات من فرص للتواصل والتعلم، وما تنطوي عليه في الوقت ذاته من مخاطر تتعلق بالإساءة، أو انتهاك الخصوصية، أو الإضرار بسمعة المؤسسات والأفراد.
وينطلق هذا الفصل من مبدأ أساسي مفاده أن الحرية الرقمية لا تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية، وأن الانتماء للمؤسسة الجامعية يفرض على منتسبيها – طلابًا وأعضاء هيئة تدريس وإداريين – التزامات تتجاوز السلوك الشخصي إلى السلوك العام الذي يعكس صورة الجامعة وقيمها.
احترام القيم المجتمعية والجامعية
أكدت مادة (19) في مستهل بنودها على ضرورة احترام الآداب العامة والقيم الأسرية في المجتمع المصري، إلى جانب الالتزام بالأخلاقيات الجامعية عند نشر أي محتوى نصي أو صوتي أو مرئي. ويعكس هذا البند إدراكًا لدور الجامعة كحارس للقيم، وليس مجرد ناقل للمعرفة، كما يرسخ فكرة أن الفضاء الرقمي امتداد للمجال العام، وليس منطقة معزولة عن الأعراف المجتمعية.
كما شددت المادة على احترام المعتقدات الدينية والفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية لجميع أفراد المجتمع ومؤسساته، بما يضمن أن تظل منصات التواصل مساحة للتنوع والحوار، لا ساحة للصدام أو الإقصاء.
مواجهة خطاب الكراهية والتضليل
أولى الدليل اهتمامًا خاصًا بمخاطر خطاب الكراهية والتنمر والتمييز والتحرش الإلكتروني، فحظر صراحة نشر أي محتوى يتضمن هذه الممارسات، إدراكًا لما تسببه من أذى نفسي ومجتمعي، وما تمثله من تهديد مباشر لبيئة التعلم الآمنة داخل الجامعات.
وفي السياق ذاته، شددت المادة على أهمية المصداقية في نشر المعلومات والبيانات، والتحذير من تداول الشائعات والأخبار الكاذبة أو المزيفة، مع التأكيد على ضرورة الرجوع إلى مصادر موثوقة. ويأتي ذلك في ظل الانتشار الواسع للمعلومات المضللة، التي قد تسيء للأفراد والمؤسسات، أو تخلق حالة من البلبلة داخل المجتمع الجامعي.
حماية سمعة الجامعة وحقوقها
حرص الفصل الخامس على حماية صورة الجامعة وسمعتها، باعتبارها مؤسسة عامة ذات دور وطني، فحظر نشر أي محتوى يسيء إليها أو يسبب لها ضررًا ماديًا أو معنويًا. كما منع إفشاء أسرار العمل أو تداول المكاتبات والمستندات والقرارات الرسمية الجامعية عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إلا من خلال القنوات الرسمية المعتمدة.
وفي الإطار ذاته، نصت المادة على عدم إنشاء صفحات أو حسابات باسم الجامعة أو الكلية أو القسم إلا بعد الحصول على موافقة رسمية، وكذلك عدم إبرام بروتوكولات تعاون أو اتفاقيات مع وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية دون الرجوع للجامعة، بما يضمن وحدة الخطاب المؤسسي وعدم تضارب الرسائل.
الفصل بين الوظيفة والمصالح الشخصية
أحد الجوانب اللافتة في هذا الفصل هو التشديد على عدم استغلال اسم الجامعة أو اللقب أو الوظيفة الجامعية في أعمال خاصة أو تجارية عبر مواقع التواصل الاجتماعي. ويعكس هذا البند حرص المجلس الأعلى للجامعات على منع تضارب المصالح، والحفاظ على هيبة الوظيفة الأكاديمية باعتبارها رسالة علمية قبل أن تكون وسيلة للوجاهة أو الترويج الشخصي.
كما شددت المادة على ضرورة الحصول على موافقات مسبقة قبل تصوير أو بث أي فعاليات أو أنشطة جامعية، وعلى الحفاظ على سرية الامتحانات والنتائج، وعدم تداولها أو مناقشتها عبر المنصات الرقمية أو المحادثات الخاصة.
الخصوصية والكرامة الإنسانية
أعطى الدليل مساحة كبيرة لحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية، سواء من خلال اشتراط الحصول على موافقة الأفراد قبل تصويرهم أو نشر صورهم، أو من خلال حظر التلاعب بالصور والفيديوهات بقصد السخرية أو الإضرار، أو الدعوة إلى احترام الحياة الخاصة وعدم انتهاكها بالنشر أو المشاركة.
كما دعا إلى استخدام لغة محترمة تراعي الفروق العمرية والوظيفية، وتجنب تحويل مواقع التواصل إلى ساحة لتصفية الحسابات الشخصية أو المهنية، بما يحفظ المناخ الأكاديمي القائم على الاحترام المتبادل.
تنظيم العلاقة مع الطلاب والبحث العلمي
لم يغفل الفصل الخامس العلاقة الحساسة بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب على مواقع التواصل الاجتماعي، فحظر التمييز بين الطلاب من حيث درجة الاهتمام، وأكد على ضرورة الحصول على موافقات مسبقة عند استخدام المنتسبين للجامعة كعينات للدراسة أو أدوات للبحث العلمي عبر هذه المنصات.
كما شدد على خصوصية المحادثات الإلكترونية، وعدم تسجيلها أو نشرها، وعلى الأمانة في إنشاء الحسابات، وتجنب الحسابات المزيفة أو انتحال الشخصية، إضافة إلى حظر اختراق حسابات الآخرين أو نشر الفيروسات أو الرسائل المزعجة.
ضوابط خاصة بأعضاء هيئة التدريس
واختتمت المادة بنص بالغ الأهمية، يحظر على عضو هيئة التدريس والهيئة المعاونة إنشاء حسابات تقدم محتوى مرتبطًا بالمقررات الدراسية التي تُدرس بالجامعة – حتى لو كان المحتوى مجانيًا – إلا بعد الحصول على موافقة معتمدة من الجامعة، كما يحظر نشر أي محتوى يتعارض مع سياسات الجامعة وقواعدها وآدابها وأخلاقياتها. ويعكس هذا النص حرصًا على توحيد الرسالة التعليمية، وضمان جودة المحتوى، ومنع الفوضى المعرفية أو الاستغلال غير المنضبط للعملية التعليمية.
خلاصة
يمثل الفصل الخامس من دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي نقلة نوعية في فهم العلاقة بين الجامعة والفضاء الرقمي، حيث يؤسس لإطار أخلاقي متوازن لا يصادر حرية التعبير، لكنه يربطها بالمسؤولية والانتماء المؤسسي. وهو بذلك لا يخاطب فقط سلوك الأفراد، بل يسهم في بناء ثقافة جامعية واعية تدرك أن الكلمة والصورة والمنشور على مواقع التواصل قد يكون لها أثر لا يقل خطورة عن القرار الإداري أو البحث العلمي المنشور.
إن هذا الدليل، بما يتضمنه من ضوابط واضحة، يمثل دعوة صريحة لتحويل مواقع التواصل الاجتماعي من مصدر للمشكلات والأزمات، إلى أداة داعمة للقيم الأكاديمية، وخادمة للعلم، وحافظة لهيبة الجامعة ودورها في المجتمع.
النص الكامل


الفصل الخامس: أخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي
مادة (19): أخلاقيات استخدام مواقع التواصل الاجتماعي
1. احترام الآداب العامة والقيم الأسرية في المجتمع المصري والأخلاقيات الجامعية عند نشر أي محتوى نصي أو صوتي أو مرئي.
2. احترام المعتقدات الدينية والفكرية والسياسية والثقافية والاجتماعية لجميع أفراد المجتمع ومؤسساته في أي مضمون يتم نشره بالنص أو الصوت أو الصورة.
3. عدم نشر أي محتوى نصي أو صوتي أو مرئي يتضمن خطاب كراهية، أو تنمر، أو تمييز، أو تعصب، أو تحرش إلكتروني.
4. احترام حقوق الملكية الفكرية بعد نشر وتداول الكتب والمطبوعات الجامعية والأبحاث وأفكار الغير على مواقع التواصل الاجتماعي.
5. مراعاة المصداقية في نشر المعلومات والبيانات، وتجنب نشر الشائعات والأخبار الكاذبة والمزيفة، وذلك من خلال الرجوع إلى مصدر موثوق فيه للمعلومة.
6. الحفاظ على صورة الجامعة وسمعتها، وتجنب نشر أي محتوى نصي أو صوتي أو مرئي يسبب الإساءة والضرر بها.
7. عدم إفشاء أسرار العمل، وعدم تداول ونشر المخاطبات والمكاتبات والمستندات والقرارات الرسمية الجامعية إلا من الصفحة الرسمية أو الموقع الرسمي للجامعة.
8. عدم إنشاء صفحة أو حساب على مواقع التواصل الاجتماعي باسم الجامعة أو الكلية أو القسم إلا بموافقة من الجامعة.
9. الحصول على موافقة مسبقة من الجامعة قبل إجراء بروتوكولات تعاون أو اتفاقيات أو تعاقدات مع وسائل الإعلام ومؤسسات الإعلام الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي.
10. عدم استغلال اسم الجامعة واللقب والوظيفة الجامعية في أعمال خاصة أو تجارية على مواقع التواصل الاجتماعي.
11. الحصول على موافقة مسبقة من الجامعة قبل التسجيل أو التصوير أو بث بالصوت والصورة لأحداث وفعاليات وأنشطة جامعية.
12. الحفاظ على سرية الامتحانات والنتائج، وعدم نشر نماذج الامتحانات والإجابات وبنوك الأسئلة والنتائج على مواقع التواصل الاجتماعي، وعدم تداول الامتحانات في محادثات إلكترونية شخصية.
13. عدم استخدام مواقع التواصل الاجتماعي أثناء العمل وأداء مهام الوظيفة أو أثناء المحاضرات بما يسبب الضرر للمصلحة العامة وقلة الإنتاجية.
14. الحصول على موافقة مسبقة من المنتسبين للجامعة قبل تصويرهم وقبل نشر صور أو فيديوهات لهم.
15. عدم التلاعب بالصور والفيديو لإحداث تغيير بالحذف أو الإضافة في تفاصيل أفراد وفعاليات جامعية لإلحاق الضرر أو السخرية أو التهكم.
16. استخدام المفردات اللغوية المناسبة للتواصل مع الآخرين في المحادثات الإلكترونية الخاصة والعامة بمراعاة واحترام السن، والدرجة الوظيفية، والأقدمية.
17. مراعاة الحياة الخاصة والشخصية للآخرين بعدم نشرها ومشاركتها.
18. تجنب استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في الصراعات والخلافات الشخصية والمهنية بعدم نشر ما يسيء للسمعة أو يجرح المشاعر أو يثير التهكم والسخرية.
19. تجنب تداخل الحياة الجامعية والشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.
20. عدم التمييز بين الطلاب من حيث درجة الاهتمام على مواقع التواصل الاجتماعي.
21. الحصول على موافقة مسبقة من المنتسبين للجامعة قبل استخدامهم كعينة للدراسة أو أداة للبحث العلمي على مواقع التواصل الاجتماعي.
22. الحفاظ على خصوصية المحادثات الإلكترونية الشخصية الخاصة بعدم تسجيلها وعدم نشرها.
23. التحلي بالأمانة عند إنشاء حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي بكتابة معلومات وبيانات شخصية صحيحة، وتجنب استخدام الحسابات المزيفة وإخفاء الهوية وانتحال الشخصية.
24. عدم اختراق حسابات الآخرين على مواقع التواصل الإلكتروني لنسخ محتوى أو إحداث تغيير من حذف أو إضافة أو إعادة نشر ومشاركة.
25. عدم إرسال الفيروسات من خلال الرسائل الإلكترونية.
26. تجنب فتح أي وصلات من مصدر غير معلوم لتجنب التعرض للفيروسات أو القرصنة الإلكترونية.
27. عدم التواصل الإلكتروني إلا مع شخصيات على معرفة سابقة بهم.
28. تجنب إرسال رسائل إلكترونية بكثافة لشخص دون رغبته.
29. يُحظر على عضو هيئة التدريس والهيئة المعاونة أن ينشئ حسابًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، يقدم من خلاله محتوى مرئيًا أو مسموعًا أو مكتوبًا يتعلق بأي من المقررات الدراسية التي تدرس بالجامعة، حتى لو كان المحتوى المقدم بالمجان، إلا بعد موافقة معتمدة من الجامعة، كما يُحظر عليه أن ينشر من خلال أي حساب للتواصل الاجتماعي ما يتعارض مع سياسات الجامعة وقواعدها وآدابها وأخلاقياتها.



