من القواعد إلى القياس: كيف يؤسس المجلس الأعلى للجامعات منظومة وطنية للنزاهة الأكاديمية وحوكمة البحث العلمي في مصر
كنب. ا د وائل بدوى
في لحظة فارقة من مسار إصلاح التعليم العالي والبحث العلمي في مصر، أعلن المجلس الأعلى للجامعات عن إطلاق وثيقتين تعدّان من
أهم ما صدر على مستوى الحوكمة الأكاديمية خلال السنوات الأخيرة:
دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي في مصر، وتقرير مؤشر مخاطر النزاهة الأكاديمية (RI²).
وهما وثيقتان متكاملتان؛ الأولى تؤسس للقواعد، والثانية تقيس المخاطر، في محاولة جادة للانتقال من “النية الحسنة” إلى “الحوكمة المبنية على الأدلة”.
من الاجتهادات الفردية إلى الإطار الوطني الملزم
لطالما عانت الجامعات المصرية – مثلها مثل كثير من جامعات العالم النامي – من غياب مرجعية وطنية موحدة تحكم قضايا النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي. وكانت القرارات غالبًا تُتخذ بصورة متفرقة، أو وفق لوائح داخلية غير متجانسة، أو ردّ فعل لأزمات بعينها.
إصدار دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي يقطع مع هذا النمط، ويؤسس لأول مرة إطارًا وطنيًا شاملاً وموحدًا، يحدد بوضوح:
- ما المقصود بالنزاهة الأكاديمية.
- ما هي الانتهاكات الشائعة (الانتحال، فبركة البيانات، تضارب المصالح…).
- كيف تُدار أخلاقيات البحث على الإنسان والحيوان والبيئة والبيانات.
- ما الضوابط الأخلاقية للنشر العلمي، والتحكيم، وترتيب أسماء المؤلفين.
- كيف تُنشأ مكاتب النزاهة الأكاديمية ولجان أخلاقيات البحث، وما اختصاصاتها وصلاحياتها.
الدليل – الصادر في يناير 2026 – لا يكتفي بالتوجيه الأخلاقي، بل يتحول إلى وثيقة تنظيمية ذات طابع مؤسسي، قابلة للتطبيق والمتابعة والتقييم داخل جميع الجامعات المصرية .
الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي… تحت مظلة أخلاقية
أحد أهم أبعاد الدليل هو إدراكه الصريح لتحولات العصر. فقد خصص فصولًا واضحة لأخلاقيات:
- التعلم الإلكتروني.
- استخدام منصات التواصل الاجتماعي.
- توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث.
وهنا تتجلى رسالة واضحة:
التحول الرقمي ليس مبررًا لتجاوز القيم، بل يستدعي أطرًا أخلاقية أكثر صرامة، خاصة فيما يتعلق بالأصالة العلمية، وحماية البيانات، وعدم “تفريغ” المحتوى العلمي أو إعادة تدويره بصورة مضللة.
من القواعد إلى القياس: لماذا جاء تقرير RI²؟
إذا كان الدليل يضع “ما ينبغي أن يكون”، فإن تقرير مؤشر مخاطر النزاهة الأكاديمية (RI²) يجيب عن سؤال أكثر حساسية:
أين نقف الآن؟ وما حجم المخاطر الفعلية؟
تقرير RI²، الصادر عن المجلس الأعلى للجامعات، يقدم مقاربة غير مسبوقة في السياق المصري، عبر تبني مؤشر مركب قائم على البيانات لقياس مخاطر النزاهة الأكاديمية على مستوى المؤسسات، مستندًا إلى ثلاثة محاور رئيسية:
- معدل سحب الأبحاث العلمية (Retraction Rate).
- النشر في المجلات المحذوفة أو المفترسة (Delisted Journals).
- ممارسات الاستشهاد الذاتي المفرط (Self-Citation).
التقرير لا يستهدف “الفضح” أو التصنيف العقابي، بل يسعى إلى:
- تمكين الجامعات من تشخيص المخاطر مبكرًا.
- ربط النزاهة بجودة الأداء البحثي، لا بعدد المنشورات فقط.
- إعادة التوازن المختل الذي فرضته التصنيفات الدولية القائمة على الكم والاستشهادات.
وهو بذلك يضع الجامعات المصرية أمام مرآة موضوعية، مدعومة بالأرقام، بعيدًا عن الانطباعات العامة .
تكامل الوثيقتين: حوكمة بالقواعد… ومساءلة بالبيانات
الأهمية الحقيقية لا تكمن في كل وثيقة على حدة، بل في تكاملهما:
- الدليل يحدد القواعد، والمسؤوليات، والإجراءات، والعقوبات.
- المؤشر (RI²) يوفر أداة قياس ومتابعة وتقييم مستمر.
هذا التكامل ينقل منظومة البحث العلمي في مصر:
- من منطق “المخالفة بعد وقوعها”.
- إلى منطق الوقاية، والحوكمة الاستباقية، وبناء القدرات.
كما يمنح صانع القرار، وإدارة الجامعة، ولجان الدراسات العليا، أدوات عملية لاتخاذ قرارات مبنية على أدلة، لا على ضغوط أو مجاملات.
الأهمية الاستراتيجية لمصر والجامعات
إطلاق هاتين الوثيقتين يحمل دلالات استراتيجية عميقة:
- تعزيز الثقة الدولية في البحث العلمي المصري.
- تحسين موقع الجامعات المصرية في التصنيفات العالمية بصورة مستدامة وأخلاقية.
- حماية الباحثين الجادين من التشويه الجماعي الناتج عن ممارسات فردية.
- ربط البحث العلمي بأهداف التنمية المستدامة، والابتكار المسؤول.
- تهيئة البيئة المؤسسية للتعامل الرشيد مع الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.
باختصار، نحن أمام تحول نوعي من خطاب أخلاقي عام، إلى منظومة حوكمة علمية متكاملة.
ملخص تنفيذي للوثيقتين
دليل النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات البحث العلمي
- أول مرجع وطني موحد في مصر.
- يضع قواعد واضحة للسلوك الأكاديمي والبحثي.
- ينظم أخلاقيات البحث على الإنسان والحيوان والبيئة.
- يعالج أخلاقيات النشر، والتحكيم، والذكاء الاصطناعي.
- يؤسس لمكاتب النزاهة ولجان الأخلاقيات داخل الجامعات.
تقرير مؤشر مخاطر النزاهة الأكاديمية (RI²)
- أداة قياس قائمة على البيانات.
- يرصد مخاطر الانتحال، النشر المفترس، والاستشهاد الذاتي.
- يساعد الجامعات على التشخيص والتحسين لا العقاب.
- يدعم الحوكمة الرشيدة والشفافية المؤسسية.
الخلاصة:
ما أطلقه المجلس الأعلى للجامعات ليس مجرد دليل أو تقرير، بل إعلان بداية مرحلة جديدة:
مرحلة يُقاس فيها التفوق العلمي ليس فقط بما نُنشره، بل بكيف نُنشر، ولماذا، وبأي التزام أخلاقي.



