تكنولوجياغير مصنف

حين تصبح التطبيقات ساحة صراع سيادي: حجب واتساب في روسيا بين الأمن الرقمي وحرية التواصل

حين تصبح التطبيقات ساحة صراع سيادي: حجب واتساب في روسيا بين الأمن الرقمي وحرية التواصل

كتب ا. د. وائل بدوى

في خطوة أثارت جدلًا واسعًا داخل الأوساط التقنية والسياسية، اتخذت روسيا قرارًا حاسمًا بإزالة تطبيق واتساب من قواعد بيانات الإنترنت المحلية، وهو ما اعتبره كثيرون تمهيدًا فعليًا لحجبه أو تقييد استخدامه بشكل كبير داخل البلاد. القرار لم يكن مجرد إجراء تقني عابر، بل يعكس تحولات أعمق في العلاقة بين الحكومات ومنصات التكنولوجيا العالمية، خاصة في ظل تصاعد النقاش حول السيادة الرقمية والأمن المعلوماتي.

روسيا بررت موقفها بأن التطبيق لم يعد متوافقًا مع القوانين المحلية المتعلقة بحفظ البيانات والتعاون مع الجهات التنظيمية، وهو مبرر أصبح يتكرر في عدة دول تسعى إلى فرض مزيد من السيطرة على تدفق المعلومات داخل حدودها. فالحكومة الروسية ترى أن منصات التواصل الأجنبية، وعلى رأسها تلك التابعة لشركة ميتا، تمثل تحديًا مباشرًا لسياسات الأمن السيبراني، خاصة عندما يتعلق الأمر بتشفير المحادثات وصعوبة الوصول إلى البيانات عند الحاجة القانونية.

اللافت في هذه القضية أن حجم مستخدمي واتساب داخل روسيا كان كبيرًا للغاية، حيث تشير تقديرات إلى أن ما يقارب مئة مليون مستخدم كانوا يعتمدون عليه في التواصل اليومي. وهذا الرقم يعكس حجم التأثير الاجتماعي والاقتصادي لأي قرار من هذا النوع، إذ لا يقتصر الأمر على الرسائل الشخصية فقط، بل يمتد إلى الأعمال التجارية الصغيرة، وخدمات العملاء، وحتى الأنشطة المهنية التي أصبحت تعتمد على التطبيقات الرقمية كوسيط رئيسي.

في المقابل، دفعت السلطات الروسية المستخدمين نحو تطبيق محلي يحمل اسم MAX، وهو منصة مراسلة تم تطويرها بدعم حكومي. لكن الانتقادات لم تتأخر، إذ يرى كثيرون أن الهدف من التطبيق يتجاوز مجرد توفير بديل تقني، ليصل إلى تعزيز قدرات الرقابة على الاتصالات الرقمية. فبينما تؤكد الجهات الرسمية أن التطبيق يهدف إلى حماية البيانات الوطنية وتقليل الاعتماد على الشركات الأجنبية، يشير منتقدون إلى أن هذه الخطوة قد تؤدي إلى تضييق مساحة الخصوصية الرقمية للمستخدمين.

شركة ميتا بدورها لم تقف صامتة، حيث اعتبرت أن القرارات الروسية تمثل محاولة لفرض قيود رقابية على حرية التواصل، وأن متطلبات الامتثال التي تفرضها بعض الحكومات قد تتعارض مع مبادئ التشفير وحماية المستخدمين. هذا الصراع يعكس معركة أوسع بين نموذجين مختلفين لإدارة الفضاء الرقمي: نموذج يعتمد على الانفتاح العالمي، وآخر يقوم على السيادة الرقمية والتحكم المحلي.

الحدث الروسي يطرح أسئلة عميقة حول مستقبل الإنترنت في العالم. هل نحن أمام عصر جديد تتشكل فيه شبكات وطنية مغلقة لكل دولة؟ وهل ستتحول تطبيقات المراسلة إلى أدوات سياسية بقدر ما هي أدوات تواصل؟ هذه التساؤلات لم تعد نظرية، بل أصبحت واقعًا يتكرر في أكثر من دولة، مع اختلاف الدوافع بين الأمن القومي والاعتبارات الاقتصادية أو حتى الصراعات الجيوسياسية.

من زاوية تقنية، يمثل القرار تحديًا لمفهوم “الإنترنت المفتوح” الذي ساد لعقود. فكلما اتجهت الدول إلى بناء منصاتها الخاصة، زادت احتمالات انقسام الفضاء الرقمي إلى مناطق منفصلة، لكل منها قوانينها وبنيتها التحتية الخاصة. وهذا قد يؤدي إلى تقليل الابتكار العالمي المشترك، لكنه في الوقت نفسه يمنح الحكومات قدرة أكبر على التحكم في بيانات مواطنيها.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد يجد المستخدم الروسي نفسه أمام معادلة صعبة: بين استخدام تطبيقات محلية توفر سهولة الوصول والخدمات الحكومية، وبين القلق من مستوى الرقابة المحتمل على المحادثات الخاصة. هذه المفارقة تعكس التوتر المستمر بين الراحة الرقمية والخصوصية، وهو توتر لا يقتصر على روسيا وحدها بل يمتد إلى معظم دول العالم في عصر الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.

في النهاية، يمكن القول إن ما حدث ليس مجرد حجب لتطبيق شهير، بل خطوة ضمن تحولات عالمية أوسع في كيفية إدارة الدول لفضائها الرقمي. وبينما يرى البعض أن هذه السياسات ضرورية لحماية الأمن الوطني، يحذر آخرون من أنها قد تقود إلى إنترنت مجزأ يفقد روحه العالمية. ويبقى السؤال المفتوح: هل ستنجح التطبيقات المحلية في كسب ثقة المستخدمين، أم أن الاعتماد على المنصات العالمية سيظل أقوى من أي قرارات تنظيمية؟

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى