بحضور ا. د. احمد الشربينى وا. د. احمد يونس ، أكرا تحتضن ختام السنة الدولية لعلوم وتكنولوجيا الكم… ومصر تتحرك نحو استراتيجية وطنية للحوسبة الكمية

بحضور ا. د. احمد الشربينى وا. د. احمد يونس ، أكرا تحتضن ختام السنة الدولية لعلوم وتكنولوجيا الكم… ومصر تتحرك نحو استراتيجية وطنية للحوسبة الكمية
كتب ا د وائل بدوى
انتهت في مدينة أكرا، عاصمة غانا، أعمال الجلسات الختامية للسنة الدولية لعلوم وتكنولوجيا الكم، وهي المبادرة العالمية التي أقرتها الأمم المتحدة بإعلان عام 2025 عامًا دوليًا لعلوم الكم، في خطوة تعكس إدراك المجتمع الدولي للدور المحوري الذي ستلعبه هذه العلوم في إعادة تشكيل مستقبل التكنولوجيا والاقتصاد العالمي. وقد جاءت الفعاليات الختامية بمشاركة واسعة تجاوزت 500 مشارك من العلماء والخبراء وصناع السياسات وممثلي الجامعات والمؤسسات البحثية الدولية، بعد عام حافل بأكثر من 1500 فعالية ونشاط علمي حول العالم برعاية منظمة اليونسكو.


مثل هذا الحدث محطة فارقة في مسار التحول العلمي العالمي، حيث لم يعد الحديث عن الكم مقتصرًا على المختبرات الأكاديمية أو النظريات الفيزيائية المعقدة، بل أصبح جزءًا من رؤية استراتيجية ترتبط بالأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والاتصالات فائقة السرعة، والتشفير الكمي، وحتى الاقتصاد الرقمي المستقبلي. وقد ركزت الجلسات الختامية على تقييم ما تحقق خلال العام الدولي، ورسم ملامح المرحلة التالية التي تستهدف نقل علوم الكم من مرحلة البحث الأساسي إلى التطبيقات الصناعية والتجارية.
وشهدت الجلسات حضورًا مصريًا لافتًا، حيث تم تمثيل مصر بدعوة كريمة من الأستاذة الدكتورة چينا الفقي، رئيس أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وحضور ا. د. احمد الشربينى وا د احمد يونس في خطوة تعكس حرص الدولة المصرية على الانخراط الفعلي في الحراك العلمي العالمي. ولم يكن هذا الحضور مجرد مشاركة رمزية، بل جاء في إطار رؤية وطنية أوسع تستهدف بناء قدرات مصر في مجالات التكنولوجيا العميقة، وفي مقدمتها الحوسبة الكمية وتطبيقاتها المستقبلية.
خلال الجلسات، أعلنت منظمة اليونسكو إطلاق مبادرة تكنولوجيا الكم للسنوات القادمة، وهي مبادرة تسعى إلى دعم التعاون الدولي في البحث والتطوير، وتعزيز بناء القدرات البشرية، وتوفير منصات مشتركة لتبادل المعرفة بين الدول المتقدمة والنامية. وتأتي هذه المبادرة استجابة للتسارع الهائل في الاستثمارات العالمية في التقنيات الكمية، حيث تتنافس الدول الكبرى على تحقيق الريادة في هذا المجال الذي يوصف بأنه الثورة التكنولوجية التالية بعد الذكاء الاصطناعي.
وفي سياق متصل، أعلنت مصر خلال الفعاليات أنها بصدد إعداد استراتيجية وطنية للحوسبة الكمية، وهو إعلان يحمل دلالات استراتيجية عميقة. فالدخول إلى مجال الكم لم يعد رفاهية علمية، بل ضرورة تفرضها تحولات الاقتصاد العالمي وسباق الابتكار الدولي. وتسعى الاستراتيجية المرتقبة إلى تحديد الأولويات البحثية، وبناء منظومة تعليمية متخصصة، وتشجيع الشراكات الدولية، إضافة إلى دعم الشركات الناشئة العاملة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة.
إن المشاركة المصرية في هذا الحدث العالمي تعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاستثمار في علوم المستقبل يبدأ ببناء الإنسان قبل بناء التكنولوجيا. فالحوسبة الكمية ليست مجرد أجهزة أو خوارزميات، بل منظومة متكاملة تشمل التعليم، والبحث العلمي، والسياسات الوطنية، والبنية التحتية الرقمية. ومن هنا، فإن الإعلان عن استراتيجية وطنية يمثل خطوة أولى نحو بناء قدرات علمية قادرة على المنافسة في عصر ما بعد الحوسبة التقليدية.
كما أبرزت جلسات أكرا أهمية التعاون بين الدول الأفريقية في مجال التكنولوجيا المتقدمة، حيث دعت العديد من المداخلات إلى إنشاء شبكات بحثية إقليمية لتقليل الفجوة المعرفية وتعزيز نقل التكنولوجيا. وقد أكدت النقاشات أن القارة الأفريقية تمتلك فرصًا واعدة للانخراط في ثورة الكم، خاصة مع وجود جيل جديد من الباحثين الشباب القادرين على قيادة التحول العلمي إذا ما توفرت لهم البيئة الداعمة.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن إعلان الأمم المتحدة عامًا دوليًا لعلوم الكم لم يكن مجرد احتفاء رمزي، بل رسالة واضحة بأن العالم يقف على أعتاب تحول علمي جذري. فالتقنيات الكمية قادرة على تغيير قواعد اللعبة في مجالات الأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي والطب الحيوي، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات العالمية المتزايدة في هذا القطاع. ولذلك، فإن تحرك مصر نحو إعداد استراتيجية وطنية للحوسبة الكمية يمثل استجابة واقعية لهذه التحولات، وفرصة لتعزيز مكانتها العلمية والإقليمية.
ختامًا، يمكن القول إن جلسات أكرا لم تكن مجرد نهاية لعام دولي، بل بداية لمرحلة جديدة من العمل العالمي المشترك في علوم الكم. ومع إعلان مبادرة اليونسكو الجديدة وتوجه مصر نحو صياغة استراتيجية وطنية، يبدو أن السنوات القادمة ستشهد تسارعًا كبيرًا في تبني التكنولوجيا الكمية، ليس فقط كأداة علمية، بل كركيزة أساسية لبناء اقتصاد معرفي قادر على مواجهة تحديات المستقبل وصياغة ملامح عالم رقمي أكثر تقدمًا وتنافسية.



