تكنولوجيا

ضربة قضائية لجرائم التصيّد الرقمي: إحالة تشكيل عصابي دولي للمحاكمة بعد كشف واحدة من أخطر منصات الاحتيال السيبراني عالميًا

ضربة قضائية لجرائم التصيّد الرقمي: إحالة تشكيل عصابي دولي للمحاكمة بعد كشف واحدة من أخطر منصات الاحتيال السيبراني عالميًا

كتب ا  د  وائل بدوى

في تطور قضائي وأمني بالغ الدلالة، كشفت النيابة العامة عن واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بالجرائم السيبرانية المنظمة، بعدما أمر النائب العام بإحالة تشكيل عصابي دولي إلى المحاكمة الجنائية، على خلفية اتهامهم بإنشاء وإدارة منصات إلكترونية احتيالية متخصصة في تنفيذ هجمات تصيّد إلكتروني واسعة النطاق، استهدفت مؤسسات مالية وحسابات رقمية داخل وخارج البلاد، وتسببت في خسائر مالية جسيمة.

تعود وقائع القضية إلى رصد نشاط إلكتروني منظم عابر للحدود، اعتمد على استغلال التطور التقني في مجال العملات المشفرة والخدمات الرقمية، حيث قام المتهمون بتقديم ما يُعرف بـ«التصيّد كخدمة» (Phishing-as-a-Service)، وهو نموذج إجرامي يتيح لجهات أخرى تنفيذ هجمات تصيّد مقابل مبالغ مالية تُسدَّد بالعملات المشفرة، بما وفر غطاءً تقنيًا وماليًا بالغ التعقيد لإخفاء هوية الفاعلين الحقيقيين.

وأظهرت التحقيقات أن المتهمين أنشأوا منصات إلكترونية متخصصة، من بينها منصات معروفة في الأوساط الإجرامية الرقمية، استُخدمت لتسويق أدوات التصيّد، وإدارة حملات احتيالية استهدفت على وجه الخصوص مستخدمي أنظمة Microsoft Office 365 وحسابات تابعة لمؤسسات مالية كبرى. وقد مكّن هذا النشاط الإجرامي عملاء تلك المنصات من تنفيذ هجمات إلكترونية واسعة، أسفرت عن الاستيلاء غير المشروع على بيانات وحسابات رقمية، وإرباك شبكات معلوماتية، والتسبب في أضرار مالية مباشرة للضحايا.

وكشفت النيابة العامة أن الفحص الفني الدقيق أسفر عن ضبط أكثر من 240 موقعًا إلكترونيًا احتياليًا، جرى استخدامها كواجهات لهجمات التصيّد، كما ثبت أن هذه المواقع مكّنت المتهمين وشركاءهم من الاستيلاء على بيانات حساسة، واختراق حسابات رقمية، وتعطيل كفاءة أنظمة معلوماتية، وهو ما انعكس في صورة خسائر مالية جسيمة لحقت بالضحايا.

وفي إطار تتبع الأدلة الرقمية، اعتمدت التحقيقات على مصادر المعلومات المفتوحة (OSINT)، إلى جانب الولوج إلى السجلات الإلكترونية وتحليل البصمات الرقمية، ما أتاح رصد العلاقات التقنية والمالية بين عناصر التشكيل العصابي، وربط أنشطتهم الإجرامية ببعضها البعض عبر منصات رقمية متعددة. كما كشفت التحقيقات عن وجود دعاوى قضائية مرفوعة ضد المتهم الرئيسي أمام إحدى محاكم ولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، تتعلق بجرائم مماثلة، الأمر الذي عزز من الطابع الدولي للقضية وأكد خطورة النشاط الإجرامي محل التحقيق.

وأوضحت النيابة العامة أن المتهمين لم يكتفوا بتنفيذ عمليات التصيّد والاحتيال، بل لجأوا كذلك إلى غسل الأموال المتحصلة من جرائمهم، من خلال إضفاء صبغة مشروعة عليها باستخدام محافظ إلكترونية، ووسائل تمويه رقمية متقدمة، في محاولة لإخفاء مصادر الأموال وإعاقة تتبعها.

وأكدت الجهات الفنية الوطنية، بالتعاون مع وحدة الجرائم الرقمية وشركات تقنية دولية، من بينها فرق متخصصة بشركة Microsoft، أن المنصات التي أنشأها المتهمون صُنفت ضمن أخطر خمس منصات عالميًا في مجال التصيّد الاحتيالي، سواء من حيث نطاق النشاط أو كثافة الهجمات أو حجم الأضرار الناجمة عنها.

وقد انتهت التحقيقات إلى استجواب المتهمين ومواجهتهم بالأدلة الرقمية والفنية، حيث ثبت تورطهم في إنشاء وإدارة هذه المنظومة الإجرامية المتكاملة، سواء في الجانب الفني أو المالي أو التنظيمي. وعلى هذا الأساس، قررت النيابة العامة إحالتهم إلى المحاكمة الجنائية، مع التأكيد على استمرارها في اتخاذ جميع الإجراءات القانونية والفنية اللازمة لملاحقة الجرائم السيبرانية، وتعقب مرتكبيها، وتتبع عوائدها المالية، بالتنسيق مع الجهات الوطنية المختصة وفي إطار التعاون القضائي الدولي.

وتعكس هذه القضية بوضوح التحول النوعي في طبيعة الجرائم الاقتصادية والمالية، حيث لم تعد مقصورة على الأساليب التقليدية، بل باتت تعتمد على بنى رقمية معقدة وشبكات عابرة للحدود، وهو ما يفرض تحديات متزايدة على منظومات العدالة والأمن، ويؤكد في الوقت ذاته أهمية الاستثمار في القدرات الفنية، والتشريعات الحديثة، والتعاون الدولي لمواجهة هذا النمط المتطور من الجريمة.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى