كشف حجب «روبلكس» بين حماية المجتمع وحدود التنظيم الرقمي

كشف حجب «روبلكس» بين حماية المجتمع وحدود التنظيم الرقمي
كتب ا د وائل بدوى
في لحظة تتقاطع فيها التكنولوجيا مع القيم المجتمعية والأمن الثقافي، جاء إعلان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عن حجب لعبة إلكترونية شهيرة بين فئة الشباب، تُعرف باسم «روبلكس»، ليعيد فتح ملف بالغ الحساسية يتعلق بعلاقة الدولة بالمحتوى الرقمي، وحدود الحرية، ومسؤولية الحماية، خاصة حين يكون الأطفال والشباب في قلب المعادلة.
قرار الحجب، كما كشفه وكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام عصام الأمير، لم يأتِ في فراغ، بل في سياق تنسيقي واضح مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بما يعكس أن المسألة لم تُطرح كإجراء إداري عابر، وإنما كقرار مؤسسي يستند إلى رؤية تنظيمية ترى في بعض الألعاب والمنصات الرقمية تهديدًا مباشرًا أو غير مباشر لمنظومة القيم والسلوكيات داخل المجتمع.
اللافت في هذا السياق أن القرار لم يُقدَّم باعتباره معاداة للتكنولوجيا أو رفضًا لعالم الألعاب الرقمية، بل جاء ضمن خطاب أوسع يربط بين المحتوى الترفيهي، سواء كان دراميًا أو تفاعليًا، وبين تأثيره التراكمي على الوعي العام. فالدولة، كما بدا من مداخلات الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، لم تعد تتعامل مع الألعاب الإلكترونية باعتبارها مجرد تسلية، وإنما كوسيط ثقافي قادر على تشكيل السلوك، وتطبيع العنف، أو تمرير أنماط منحرفة تحت غطاء اللعب.
في هذا الإطار، استدعى عصام الأمير دعوة رئيس الجمهورية التي أطلقها عقب شهر رمضان الماضي، والتي شدد فيها على رفض الدراما التي تُعلي من شأن البلطجة والعنف أو تُبرر الخروج على القانون. هذه الدعوة لم تكن موجهة للفن وحده، بل يمكن قراءتها كإطار قيمي شامل يمتد ليشمل كل ما يُبث أو يُقدَّم للجمهور، خاصة الأجيال الأصغر سنًا، سواء عبر الشاشة أو الهاتف المحمول أو منصات الألعاب.
ومن هنا، يصبح حجب «روبلكس» جزءًا من معركة أوسع على الوعي، لا تقتصر على المنع بقدر ما تطرح سؤال البديل. فالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وفق ما أُعلن، لا يعمل في اتجاه الحجب فقط، بل ينسق مع جهات إنتاجية كبرى لإنتاج محتوى بديل أكثر وعيًا ورقيًا، بما يفتح النقاش حول مسؤولية الصناعة الإبداعية في تقديم نماذج إيجابية قادرة على المنافسة، لا مجرد ملء فراغ تركه الحظر.
الحديث عن ألعاب إلكترونية تشجع على العنف أو تروج لسلوكيات منحرفة يضعنا أمام إشكالية جوهرية: هل يكفي الحجب كأداة تنظيمية؟ أم أن المشكلة أعمق، وتتعلق بغياب الثقافة الرقمية لدى الأسر، وضعف أدوات التوجيه، وترك الأطفال فريسة لخوارزميات لا تعترف بالقيم ولا تراعي الخصوصيات الثقافية؟
الجلسة العامة لمجلس الشيوخ، المخصصة لمناقشة مخاطر استخدام الأطفال للهواتف المحمولة والتطبيقات الإلكترونية، كشفت بوضوح أن المسألة لم تعد تقنية بحتة، بل تربوية واجتماعية في المقام الأول. فالهاتف لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح بوابة مفتوحة على عالم بلا حدود، تختلط فيه المعرفة بالتضليل، والترفيه بالعنف، واللعب بالتطبيع مع سلوكيات خطرة.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «التكامل المؤسسي» الذي شدد عليه وكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، باعتباره حجر الزاوية في أي مواجهة جادة لهذه الظواهر. فلا يمكن لقرار إداري، مهما كانت وجاهته، أن يحقق أهدافه دون تنسيق حقيقي بين جهات التنظيم، والمؤسسات التعليمية، والإعلام، والأسرة، بل وحتى شركات التكنولوجيا نفسها.
من زاوية أخرى، يفتح قرار حجب «روبلكس» نقاشًا مشروعًا حول التوازن الدقيق بين الحماية والوصاية. فالمجتمعات الحديثة تواجه تحديًا دائمًا في تحديد متى تتحول الحماية إلى تضييق، ومتى يصبح التنظيم قيدًا على الإبداع. غير أن هذا التوازن يصبح أكثر حساسية حين يكون الطرف المتلقي طفلًا أو مراهقًا لم تكتمل أدواته النقدية بعد، ولم تتشكل لديه القدرة على التمييز بين الخيال والواقع، أو بين اللعبة والقيمة.
الرسالة الأهم في هذا القرار ليست في اسم اللعبة المحجوبة، بل في الإقرار الصريح بأن العالم الرقمي لم يعد منطقة محايدة، وأن تركه بلا ضوابط يعادل التخلي عن جزء من مسؤولية الدولة والمجتمع تجاه أجياله القادمة. كما أن الإشادة بالأعمال الدرامية التي اتسمت بالرقي والوعي في الموسم الماضي تعكس رغبة واضحة في إعادة توجيه البوصلة، لا فقط في مجال الدراما، بل في كل ما يُنتج ويُستهلك جماهيريًا.
في النهاية، يبقى حجب «روبلكس» خطوة ضمن مسار طويل ومعقد، مسار يتطلب رؤية شاملة لا تختزل الحل في المنع، ولا تترك الساحة بلا ضوابط. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في لعبة بعينها، بل في كيفية بناء بيئة رقمية آمنة، واعية، وقادرة على استيعاب التكنولوجيا دون أن تبتلع القيم، وعلى حماية الأطفال دون أن تعزلهم عن العالم.



