مركز بحوث الإلكترونيات ينظم ورشة العمل الأولى نحو صياغة استراتيجية وطنية للحوسبة الكمية

مركز بحوث الإلكترونيات ينظم ورشة العمل الأولى نحو صياغة استراتيجية وطنية للحوسبة الكمية
كتب ا د وائل بدوى
في لحظة فارقة من مسار التحول العلمي والتكنولوجي في مصر، جاءت ورشة العمل الأولى نحو استراتيجية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي للحوسبة الكمية لتؤكد أن الدولة لم تعد تتعامل مع هذا المجال بوصفه ترفًا علميًا أو ترفًا بحثيًا، بل باعتباره أحد أعمدة السيادة التكنولوجية المستقبلية، ومحركًا أساسيًا للاقتصاد القائم على المعرفة، وأداة استراتيجية لإعادة تموضع مصر داخل خريطة العلوم المتقدمة عالميًا.
انعقاد الورشة في السبت الموافق 7 فبراير 2026، داخل معهد بحوث الإلكترونيات، وبرعاية أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، لم يكن اختيارًا بروتوكوليًا، بل دلالة رمزية عميقة. فالمكان يعكس الجذور الصلبة للبحث التطبيقي، والتوقيت يعكس وعيًا سياسيًا وعلميًا بأن نافذة اللحاق بالثورة الكمية ما زالت مفتوحة، لكنها لن تظل كذلك طويلًا.
من “التقنية الواعدة” إلى “الضرورة الاستراتيجية”
الحوسبة الكمية لم تعد مجرد تطور لاحق للحوسبة التقليدية، بل تمثل قفزة مفاهيمية تعيد تعريف معنى “الحساب” ذاته. نحن أمام نماذج جديدة للمعالجة، تعتمد على التراكب والتشابك الكمي، وتفتح آفاقًا غير مسبوقة في مجالات التشفير، ومحاكاة المواد، وتصميم الأدوية، وتحليل الأنظمة المعقدة، والذكاء الاصطناعي فائق القدرات.
ورشة العمل، منذ جلستها الافتتاحية، وضعت هذا الإدراك في صدارة المشهد. الكلمات الافتتاحية التي ألقاها قيادات البحث العلمي لم تكن إنشائية، بل حملت رسائل واضحة:
- أن مصر تدرك حجم الفجوة العالمية في هذا المجال.
- وأن بناء القدرات الكمية ليس خيارًا، بل التزامًا استراتيجيًا طويل الأمد.
- وأن التكامل بين البحث الأساسي، والتطبيق الصناعي، والسياسات العامة هو الطريق الوحيد للنجاح.
حوكمة العلم قبل تسويق التكنولوجيا
أحد أهم ملامح الورشة أنها لم تنطلق مباشرة إلى الحديث عن الأجهزة أو المنصات أو البرمجيات، بل بدأت من سؤال أكثر عمقًا: كيف نُحكم هذا التحول؟
النقاشات التي دارت حول دور المجالس النوعية، وأهمية التنسيق بين مؤسسات الدولة، عكست وعيًا متقدمًا بأن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مشروع علمي وطني هو التشتت المؤسسي أو تضارب الأولويات. الحوسبة الكمية بطبيعتها مجال عابر للتخصصات، وإذا لم تُدار ضمن إطار حوكمة واضح، فإنها قد تتحول إلى جزر بحثية معزولة، لا تصنع أثرًا حقيقيًا.
البحث الأساسي… حجر الأساس الذي لا يُرى
في الجلسة العلمية الأولى، طُرحت مسألة كثيرًا ما تُهمَل في الخطاب العام: البحث الأساسي.
الحديث عن العدالة والاستدامة في المجال الكمي لم يكن مجرد طرح أخلاقي، بل كان طرحًا استراتيجيًا بامتياز. فالدول التي قفزت مبكرًا في هذا المجال لم تفعل ذلك عبر استيراد التكنولوجيا، بل عبر الاستثمار طويل الأمد في الفيزياء، والرياضيات، وعلوم المواد، ونظرية المعلومات.
الرسالة كانت واضحة:
لا يمكن بناء حوسبة كمية وطنية على أرضية تعليمية هشة أو بحث أساسي ضعيف.
ومن هنا جاء الربط الذكي بين الحوسبة الكمية والنظام البيئي العلمي في مصر، وبين الجامعات، والمراكز البحثية، وبرامج الدراسات العليا، وسياسات التمويل.
من المختبر إلى النظام البيئي الوطني
المداخلة التي تناولت دفع عجلة النظام البيئي للتقنيات الكمية في مصر كشفت عن تحول مهم في طريقة التفكير. لم يعد الحديث يدور حول “معمل هنا” أو “مشروع هناك”، بل حول منظومة متكاملة تشمل:
- التعليم قبل الجامعي والجامعي.
- إعداد الباحثين والمهندسين.
- البنية التحتية الرقمية.
- الأطر القانونية والتنظيمية.
- الشراكات الدولية والصناعية.
هذا الطرح يعكس إدراكًا بأن الحوسبة الكمية لا تزدهر في الفراغ، بل تحتاج إلى بيئة حاضنة تشبه إلى حد كبير ما شهدناه سابقًا مع تكنولوجيا الاتصالات أو الذكاء الاصطناعي، ولكن بدرجة تعقيد أعلى بكثير.
الاستراحة… كمساحة تفكير غير رسمي
حتى فترات الاستراحة في هذه الورشة كان لها دور غير مباشر. النقاشات الجانبية، وتبادل الآراء خارج المنصة، غالبًا ما تكون أكثر صراحة وعمقًا من الجلسات الرسمية. وفي مثل هذه الفعاليات، تُولد الأفكار العابرة للمؤسسات، وتتشكل نواة الشراكات المستقبلية.
الدرس العالمي: IBM نموذجًا
الجلسة الثانية مثلت انتقالًا ذكيًا من الإطار الوطني إلى الخبرة العالمية. عرض التجربة الصناعية، خاصة عبر منصات مثل Heron وLoon وNight Hawk، لم يكن استعراضًا تقنيًا، بل درسًا عمليًا في كيفية تحويل البحث الكمي إلى قيمة مضافة حقيقية.
الحديث عن تصحيح الأخطاء الكمية، وعن توسيع نطاق الاستفادة العملية، كشف عن حقيقة غالبًا ما تُغفل:
التحدي الأكبر في الحوسبة الكمية ليس في بناء الكيوبِت، بل في التحكم فيه، وضمان موثوقيته، وربطه بتطبيقات واقعية.
وهنا برزت أهمية الشراكة بين الجامعات والصناعة، ليس كشعار، بل كنموذج عمل لا غنى عنه.

الحلقة النقاشية: عندما يلتقي الأكاديمي بالصناعي
الحلقة النقاشية كانت من أكثر فقرات الورشة حيوية. تعدد الخلفيات – من أساتذة علوم الحاسب، إلى خبراء الذكاء الاصطناعي، إلى رواد الأعمال – أظهر بوضوح أن الحوسبة الكمية ليست شأنًا أكاديميًا صرفًا، ولا مشروعًا صناعيًا معزولًا، بل مجالًا هجينًا يتطلب لغة مشتركة بين الجميع.
النقاشات كشفت عن تحديات حقيقية:
- فجوة المهارات.
- بطء تحديث المناهج.
- ضعف التمويل الموجه للتقنيات عالية المخاطر.
- الحاجة إلى أطر تنظيمية مرنة.
لكنها كشفت أيضًا عن فرص هائلة، إذا ما تم التعامل مع هذه التحديات بعقلية استراتيجية لا رد فعلية.
التوصيات… ما بعد الورشة
الفقرة الختامية لم تكن مجرد “توصيات عامة”، بل شكلت خريطة طريق أولية. من أبرز ما يمكن استخلاصه:
- ضرورة صياغة استراتيجية وطنية واضحة للحوسبة الكمية، مرتبطة بجداول زمنية ومؤشرات أداء.
- الاستثمار في العنصر البشري قبل الاستثمار في الأجهزة.
- بناء شراكات دولية ذكية، قائمة على نقل المعرفة لا مجرد شراء التكنولوجيا.
- دمج الحوسبة الكمية تدريجيًا في منظومة الابتكار وريادة الأعمال.
خاتمة: الورشة كنقطة بداية لا كنقطة وصول
الأهمية الحقيقية لهذه الورشة لا تكمن في عدد الجلسات أو الأسماء المشاركة، بل في كونها إعلان نوايا مؤسسي بأن مصر قررت دخول العصر الكمي بوعي، وبمنهجية، وبإدراك لحجم التحدي.
الطريق لا يزال طويلًا، والتكلفة عالية، والمخاطر قائمة. لكن التاريخ يُظهر أن الدول التي تتردد في اللحظات الفاصلة، تدفع لاحقًا ثمن التبعية. أما الدول التي تستثمر مبكرًا في العلم العميق، فهي التي تكتب مستقبلها بيدها.
ورشة العمل هذه لم تُجب عن كل الأسئلة، لكنها طرحت الأسئلة الصحيحة. وفي عالم يتغير بقوانين الفيزياء لا بالخطابات، فإن طرح السؤال الصحيح هو أول خطوات الإجابة.



