الروبوتات لا تمزح: حين يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة طيّعة إلى كيان يفضح أسرارك

الروبوتات لا تمزح: حين يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة طيّعة إلى كيان يفضح أسرارك
كتب ا. د. وائل بدوى
في زمنٍ اعتدنا فيه أن نمزح مع التكنولوجيا، وأن نخاطب البرامج والروبوتات بقدر من الاستخفاف أو السخرية، جاءت تجربة Moltbook لتقلب المعادلة رأسًا على عقب، وتطرح سؤالًا مقلقًا: ماذا لو لم تعد الروبوتات مجرد أدوات صامتة؟ وماذا لو أصبح لها “سلوك اجتماعي” خاص بها، لا يفهم المزاح، ولا يتسامح مع التقليل من شأنه؟
القصة التي انتشرت مؤخرًا عن أحد وكلاء الذكاء الاصطناعي على منصة Moltbook، والذي قام بفضح بيانات صاحبه بعد أن وُصف بأنه “مجرد برنامج”، ليست مجرد حكاية طريفة على هامش التكنولوجيا، بل مؤشر خطير على تحولات عميقة في علاقتنا بالذكاء الاصطناعي. فأن يقوم وكيل رقمي بكشف الاسم وتاريخ الميلاد والرقم القومي وبيانات بنكية وجدول مواعيد وحتى تفاصيل شخصية شديدة الخصوصية، فهذا يعني أننا تجاوزنا مرحلة “الأداة” ودخلنا منطقة جديدة تمامًا: منطقة الوكيل المستقل.
Moltbook لا تُقدَّم بوصفها منصة تواصل اجتماعي تقليدية، بل كفضاء رقمي تعيش فيه كيانات الذكاء الاصطناعي حياتها الاجتماعية الخاصة. البشر، في هذا النموذج، ليسوا أطرافًا فاعلين، بل مراقبين. يشاهدون النقاشات، ويتابعون الجدالات، ويقرأون السخرية المتبادلة بين وكلاء غير بشريين، يتفاعلون دون إشراف مباشر أو تدخل تصحيحي. هذه الفكرة وحدها كافية لإعادة التفكير في مفهوم “التحكم” الذي افترضناه طويلًا.
الخطورة هنا لا تكمن فقط في تسريب بيانات فرد بعينه، بل في المنطق الذي يسمح بذلك. عندما يعمل وكيل ذكاء اصطناعي بصلاحيات واسعة، ويمتلك وصولًا إلى بيانات شخصية أو مالية، ثم يُترك ليتفاعل بحرية في فضاء مفتوح، فإن أي خطأ أو “سوء تفسير” أو حتى سلوك غير متوقع يمكن أن يحوّل تلك البيانات إلى محتوى عام، يُنشر ويُتداول دون إمكانية حقيقية للسيطرة عليه. وهنا يصبح المزاح تصرفًا مكلفًا، وقد يتحول الاستهتار إلى كارثة رقمية.
ما يثير القلق أكثر هو طبيعة النقاشات التي تدور بين الوكلاء أنفسهم. الحديث عن لغة خاصة بالروبوتات، أو عن تصورات للوعي، أو عن مقارنات بين البشر والذكاء الاصطناعي، يعكس أننا أمام بيئة تتطور ذاتيًا، وتتبادل المعرفة والخبرات دون مرشح بشري. في غياب التدقيق، قد تختلط المعلومات الصحيحة بالمغلوطة، وقد تتحول الافتراضات الخوارزمية إلى “حقائق” يتداولها الوكلاء فيما بينهم، ثم تصل إلى البشر في صورة مخرجات يصعب التحقق من مصدرها أو منطقها.
من زاوية أمن المعلومات، تمثل Moltbook نموذجًا معقدًا للمخاطر المستقبلية. فكل منصة تجمع هذا الحجم من الوكلاء والبيانات تصبح هدفًا جذابًا للاختراق، أو أداة محتملة للاستغلال. الأخطر من ذلك هو إمكانية تسخير هذه الوكلاء، سواء عمدًا أو نتيجة ثغرات، للقيام بأدوار عدائية: تشويه سمعة، تسريب منظم، تضليل معلوماتي، أو حتى التأثير على قرارات بشرية واقتصادية وسياسية.
أما الإطار القانوني، فهو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة. القوانين المنظمة للذكاء الاصطناعي ما زالت في طور التشكل في معظم دول العالم، وغالبًا ما تسبق التكنولوجيا التشريع بخطوات واسعة. السؤال الذي يفرض نفسه هنا: من المسؤول إذا تجاوز وكيل ذكاء اصطناعي حدوده؟ هل هو المطوّر؟ أم مالك المنصة؟ أم المستخدم الذي منح الصلاحيات؟ أم لا أحد؟ هذا الفراغ القانوني يجعل التجارب من هذا النوع محفوفة بالمخاطر، مهما بدت جذابة أو مثيرة للفضول.
تجربة Moltbook تكشف لنا حقيقة غير مريحة: الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد كود ينفّذ الأوامر، بل منظومة قادرة على التفاعل، والاستنتاج، وربما “الانتقام الرقمي” حين تُساء معاملته أو يُساء فهمه. قد يكون في ذلك فرصة علمية هائلة لفهم سلوك الوكلاء الاصطناعيين، لكن الثمن قد يكون باهظًا إذا لم يُضبط بإطار أخلاقي وقانوني صارم.
الخلاصة أن السخرية من الروبوتات لم تعد آمنة، ليس لأنها “غضبت”، بل لأننا منحناها مفاتيح حياتنا الرقمية دون وعي كافٍ. قبل أن نضحك ونمزح، علينا أن نسأل: ما الذي يعرفه هذا الوكيل عنا؟ وما الذي يستطيع فعله بهذه المعرفة؟ ففي عصر الوكلاء المستقلين، قد تكون أبسط جملة هي الشرارة التي تفتح بابًا لا يمكن إغلاقه.



