من قصر محمد علي إلى فضاء الجيل الخامس: مصر تطلق استراتيجية الطيف الترددي لبناء مستقبل الاتصالات الرقمية

من قصر محمد علي إلى فضاء الجيل الخامس: مصر تطلق استراتيجية الطيف الترددي لبناء مستقبل الاتصالات الرقمية
كتب ا. د. وائل بدوى
في لحظة تجمع بين رمزية المكان وثقل القرار، شهد قصر محمد علي التاريخي بشبرا إطلاق واحدة من أهم الوثائق المنظمة لمستقبل قطاع الاتصالات في مصر، مع إعلان الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عن الاستراتيجية الجديدة للطيف الترددي، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، والدكتور عمرو طلعت وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والمهندس محمد شمروخ رئيس الجهاز، إلى جانب القيادات التنفيذية لشركات المحمول الأربع العاملة في السوق المصرية.
اختيار قصر محمد علي لم يكن تفصيلاً بروتوكوليًا، بل رسالة سياسية واقتصادية واضحة: مصر التي بنت نهضتها الحديثة على أسس تنظيمية صارمة في القرن التاسع عشر، تعيد اليوم صياغة قواعد واحدة من أكثر الموارد الاستراتيجية حساسية في القرن الحادي والعشرين، وهو الطيف الترددي، العمود الفقري لكل شبكات الاتصال الحديثة.
الاستراتيجية الجديدة تنطلق من إدراك عميق بأن الطيف الترددي لم يعد مجرد مورد تقني، بل أصبح أصلًا اقتصاديًا وسياديًا، تتقاطع عنده اعتبارات الأمن القومي، والنمو الاقتصادي، وجودة حياة المواطنين. فكل مكالمة هاتفية، وكل اتصال بالإنترنت، وكل خدمة رقمية، تمر في النهاية عبر هذا المورد غير المرئي، المحدود بطبيعته، وعالي القيمة بتأثيره.
جوهر الاستراتيجية يتمثل في إعادة تنظيم وإدارة الطيف الترددي بأسلوب أكثر كفاءة ومرونة، يضمن تحقيق الاستخدام الأمثل للترددات المتاحة، ويمنع إهدارها أو تجميدها، مع إرساء قواعد واضحة وشفافة لتخصيص الترددات بين مشغلي خدمات الاتصالات. هذا التنظيم الجديد يهدف إلى خلق توازن دقيق بين تشجيع الاستثمار وحماية المنافسة العادلة، بما يمنع الاحتكار، ويحفز الابتكار، ويصب في النهاية في مصلحة المستخدم النهائي.
الاستراتيجية تعكس انتقال الدولة من منطق إدارة الندرة إلى منطق تعظيم القيمة. فبدلاً من الاكتفاء بتخصيص الترددات وفق احتياجات آنية، تتبنى الدولة رؤية استشرافية طويلة المدى، تضع في الاعتبار التوسع المتوقع في استخدام البيانات، والطلب المتزايد على خدمات النطاق العريض، والاستعداد الكامل لتقنيات الجيل الخامس، وإنترنت الأشياء، والاتصالات بين الآلات، والتطبيقات الذكية التي ستعيد تشكيل قطاعات الصناعة، والنقل، والصحة، والزراعة.
كما تمثل الاستراتيجية خطوة حاسمة في دعم البنية التحتية الرقمية للدولة، باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية للتحول الرقمي. فالتوسع في الخدمات الحكومية الرقمية، والتعليم الإلكتروني، والتجارة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، لا يمكن أن يتحقق دون شبكات اتصالات قوية، مستقرة، وعالية الكفاءة. والطيف الترددي هو الوقود الحقيقي لهذه الشبكات.
من زاوية سوق الاتصالات، ترسم الاستراتيجية الجديدة ملامح مرحلة أكثر نضجًا وتنافسية. إذ تضع إطارًا تنظيميًا واضحًا يمنح شركات المحمول رؤية مستقرة للتخطيط الاستثماري، ويشجعها على ضخ استثمارات طويلة الأجل في تطوير الشبكات، وتحسين جودة الخدمة، وتوسيع التغطية، خاصة في المناطق الجديدة والمجتمعات العمرانية الحديثة. كما تسهم في تقليل النزاعات التنظيمية، وتوحيد قواعد اللعبة بين جميع الأطراف.
ولا تنفصل هذه الخطوة عن رؤية الدولة الأوسع لبناء اقتصاد رقمي قوي وقادر على المنافسة إقليميًا ودوليًا. فمصر تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وحجم سوقها، واستثماراتها المتزايدة في الكوابل البحرية، ومراكز البيانات، والبنية التحتية الذكية. وإدارة الطيف الترددي بكفاءة تعد شرطًا أساسيًا لتحقيق هذا الطموح.
الحفل نفسه، بما شهده من عروض بصرية باستخدام طائرات الدرون التي رسمت خريطة الطيف الترددي وشعارات شبكات المحمول في سماء القصر، حمل دلالة رمزية قوية: التكنولوجيا الحديثة لا تلغي التاريخ، بل تبني عليه. والدولة التي تحترم ماضيها قادرة على أن تصنع مستقبلها بأدوات العصر.
إطلاق الاستراتيجية الجديدة للطيف الترددي ليس حدثًا احتفاليًا عابرًا، بل إعلان عن دخول قطاع الاتصالات المصري مرحلة جديدة من التنظيم الذكي، القائم على التخطيط طويل المدى، والشراكة مع القطاع الخاص، وربط السياسات التقنية بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية. وهي رسالة واضحة بأن التحول الرقمي في مصر لم يعد مجرد شعارات، بل سياسات تنفيذية تستند إلى رؤية، وتنتهي بأثر ملموس في حياة المواطن والاقتصاد الوطني.



