أكبر صفقة ترددات في تاريخ الاتصالات بمصر: 3.5 مليار دولار تعيد تشكيل مستقبل الشبكات والتحول الرقمي

أكبر صفقة ترددات في تاريخ الاتصالات بمصر: 3.5 مليار دولار تعيد تشكيل مستقبل الشبكات والتحول الرقمي
كتب ا د وائل بدوى
في مشهد يعكس حجم التحول الذي يشهده قطاع الاتصالات المصري، شهد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بقصر محمد علي بشبرا، توقيع أكبر صفقة لتخصيص الترددات في تاريخ قطاع الاتصالات منذ بدء تقديم خدمات المحمول في مصر، في خطوة تُعد فارقة على المستويين الاقتصادي والتقني، وتؤسس لمرحلة جديدة من تطور البنية التحتية الرقمية للدولة.
الصفقة، التي تبلغ قيمتها نحو 3.5 مليار دولار، تمثل استثمارات مباشرة تضخها شركات المحمول الأربع العاملة في السوق المصرية، مقابل إتاحة حيزات ترددية جديدة بإجمالي 410 ميجاهرتزات، وهو رقم يعادل مجموع ما تم تخصيصه من ترددات لشركات المحمول طوال الثلاثين عامًا الماضية منذ انطلاق الخدمة في مصر. هذا الرقم وحده يعكس حجم الرهان الاستراتيجي الذي تضعه الدولة والقطاع الخاص على مستقبل الاتصالات والتحول الرقمي.
الحفل، الذي أقيم في أحد أهم المعالم التاريخية، جمع بين رمزية المكان وثقل القرار، بحضور وزراء، ومحافظين، وسفراء دول كبرى، وعدد من نواب البرلمان، وقيادات قطاع الاتصالات، في رسالة واضحة بأن الاتصالات لم تعد قطاعًا خدميًا تقليديًا، بل أصبحت أحد أعمدة الأمن القومي والنمو الاقتصادي.

الصفقة تأتي في إطار إطلاق استراتيجية الطيف الترددي 2026–2030، التي تستهدف إعادة صياغة إدارة هذا المورد الاستراتيجي المحدود، بما يضمن الاستخدام الأمثل للترددات، ورفع كفاءة الشبكات، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتعزيز جاهزية السوق المصرية لتطبيقات الجيل الخامس وما بعدها. فالترددات ليست مجرد نطاقات تقنية، بل هي الوقود الحقيقي لكل تطبيق رقمي، من خدمات الحكومة الإلكترونية، إلى المدن الذكية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء.
إتاحة هذه الحيزات الترددية الجديدة تمثل نقلة نوعية في قدرة الشبكات على استيعاب الزيادة المطردة في الطلب على البيانات، خاصة في ظل التحول السريع لأنماط الاستهلاك الرقمي، واعتماد المواطنين والشركات على الخدمات الرقمية بشكل يومي. كما تعزز من قدرة الشركات على تحسين سرعات الإنترنت، وتقليل زمن الاستجابة، ورفع جودة المكالمات، بما ينعكس مباشرة على تجربة المستخدم.
من الناحية الاقتصادية، تحمل الصفقة دلالات بالغة الأهمية. فهي تعكس ثقة شركات الاتصالات العالمية والمحلية في استقرار السوق المصرية، وفي وضوح الرؤية التنظيمية للدولة. كما أنها تمثل نموذجًا للشراكة الفعالة بين الحكومة والقطاع الخاص، حيث تلتقي استثمارات ضخمة مع إطار تنظيمي واضح وطويل الأمد، بما يضمن استدامة العائد على الاستثمار.
وأكد الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أن هذه الصفقة ليست إجراءً فنيًا عابرًا، بل خطوة استراتيجية طويلة الأمد، تعيد تشكيل بنية الاتصالات في مصر، وتضاعف السعات الترددية المتاحة للمشغلين دفعة واحدة، بعد أن تراكمت على مدار ثلاثين عامًا. ويأتي ذلك استكمالًا لإطلاق خدمات الجيل الخامس في يونيو 2025، بما يضمن جاهزية الشبكات لاستيعاب تطبيقات المستقبل، سواء في الصناعة، أو النقل، أو الصحة، أو التعليم.
كما تسهم الصفقة في تعزيز تنافسية السوق، من خلال إتاحة موارد متكافئة نسبيًا بين المشغلين، بما يدفعهم إلى التنافس على جودة الخدمة والابتكار، وليس فقط على التوسع الجغرافي. وهو ما يصب في النهاية في مصلحة المواطن، الذي سيحصل على خدمات أفضل، وأكثر استقرارًا، وبأسعار أكثر تنافسية.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن الرؤية الأوسع لبناء مصر الرقمية، وتحويل البلاد إلى مركز إقليمي متقدم في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا فريدًا، وبنية تحتية متنامية من الكابلات البحرية ومراكز البيانات، وإدارة فعالة للطيف الترددي تعزز من قدرتها على جذب الاستثمارات الإقليمية والدولية في هذا القطاع الحيوي.
توقيع أكبر صفقة ترددات في تاريخ قطاع الاتصالات المصري ليس مجرد حدث اقتصادي، بل إعلان واضح عن دخول الدولة مرحلة جديدة من التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، حيث تصبح البنية التحتية الرقمية محركًا أساسيًا للنمو، وأداة لتعزيز التنافسية، وجسرًا نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. وهي رسالة تؤكد أن مصر لا تواكب فقط التطورات العالمية في قطاع الاتصالات، بل تسعى إلى أن تكون في مقدمة الدول الفاعلة فيه.



