تكنولوجيا

بين الإبداع والخصوصية: حين يتحوّل الترند من لعبة فنية إلى اختبار أخلاقي للعصر الرقمي

بين الإبداع والخصوصية: حين يتحوّل الترند من لعبة فنية إلى اختبار أخلاقي للعصر الرقمي

كتب ا  د  وائل بدوى

في الايام الأخيرة، تحوّل ترند “ارسم صورة كارتونية عنك” من مجرد تسلية لطيفة إلى ظاهرة كاسحة تجتاح المنصات الرقمية. ضغطة زر واحدة، وصورة شخصية تتحول إلى لوحة فنية مبهرة. لكن خلف هذا البريق، تختبئ أسئلة ثقيلة لا تُطرح عادة وسط الزحام: من يملك هذه الصور؟ أين تُخزَّن؟ وكيف يمكن استخدامها لاحقًا؟

ترند بريء… بوجه غير بريء

الفكرة في ظاهرها بسيطة: رفع صورة، اختيار أسلوب فني، والحصول على نتيجة جذابة تصلح للنشر. لكن الواقع التقني أعقد بكثير. الصورة التي ترفعها ليست مجرد ملامح؛ إنها بيانات بيومترية: شكل الوجه، المسافات بين العينين، تعبيراتك، وأحيانًا حتى حالتك المزاجية. هذه البيانات، عند جمعها وتحليلها، تصبح مادة خام مثالية لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي أكثر دقة.

الخصوصية تحت المجهر

الخطر الحقيقي لا يكمن في الصورة الناتجة، بل في الصورة الأصلية وما يتبعها من بيانات وصفية. كثير من أدوات الترند:

  • لا توضّح بوضوح سياسات الاحتفاظ بالصور.
  • قد تحتفظ بالبيانات لفترات طويلة.
  • قد تستخدمها في تدريب نماذج مستقبلية دون موافقة صريحة.
  • قد تُشاركها مع أطراف ثالثة ضمن “شروط استخدام” لا يقرأها أحد.

وهنا يصبح المستخدم، دون أن يدري، مُساهِمًا مجانيًا في بناء منظومات ذكاء اصطناعي ضخمة.

اجتياح الترند: حين يُلغى التفكير

قوة الترند ليست في التقنية، بل في الضغط الاجتماعي. الجميع يفعل ذلك، فلماذا لا أفعل؟ هذا المنطق يلغي التفكير النقدي، ويحوّل القرار الشخصي إلى رد فعل جماعي. ومع كل موجة جديدة، تتآكل فكرة الموافقة الواعية، ويصبح التنازل عن الخصوصية “سعرًا طبيعيًا” للمشاركة.

المخاطر الأبعد مدى

ما يبدو اليوم مجرد كاريكاتير قد يُستخدم غدًا في:

  • انتحال الهوية الرقمية.
  • إنشاء نماذج وجه دقيقة لأغراض تجارية أو أمنية.
  • الدمج مع قواعد بيانات أخرى لتكوين ملفات شخصية شديدة التفصيل.
  • تقنيات “التزييف العميق” الأكثر إقناعًا.

الخطر هنا تراكمي، لا لحظي.

ماذا نفعل؟

الحل ليس في رفض التكنولوجيا، بل في ترويضها:

  • اسأل: من يملك الصورة بعد رفعها؟
  • اقرأ (أو على الأقل افهم) سياسة الخصوصية.
  • استخدم أدوات موثوقة تُعلن بوضوح عدم الاحتفاظ بالبيانات.
  • فرّق بين المتعة اللحظية والأثر طويل المدى.

الخلاصة

ترند الصور الكارتونية مرآة لعصرنا: إبداع مبهر، يقابله استهتار جماعي بالبيانات. الخصوصية لم تعد تُنتزع بالقوة، بل تُمنح طوعًا تحت عنوان “المشاركة”. الحكمة اليوم ليست أن تسبح ضد التيار، بل أن تعرف متى ولماذا تنضم إليه.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى