تكنولوجيا

الذكاء بلا أخلاق… خطر صامت يهدد الطب الحديث – تحت إشراف ا. د. سونيا عزب، جامعة عين شمس تفتح ملفًا عالميًا بالغ الحساسية

الذكاء بلا أخلاق… خطر صامت يهدد الطب الحديث – تحت إشراف ا. د. سونيا عزب، جامعة عين شمس تفتح ملفًا عالميًا بالغ الحساسية

كتب ا. د. وائل بدوى

في زمنٍ أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على تشخيص الأمراض، والتنبؤ بالمضاعفات، بل والمشاركة في اتخاذ القرار الطبي، يبرز سؤال حاسم لا يمكن تجاهله: من يراقب الذكاء الاصطناعي حين يدخل غرفة العلاج؟ ومن يضمن ألا يتحول التقدم التقني إلى تهديد صامت للإنسان؟

هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح واقعًا يفرض نفسه بقوة، وهو ما تلتقطه بوعي لافت فعالية “كرسي اليونسكو للأخلاقيات الحيوية” ضمن المؤتمر الطبي السنوي السادس والأربعين لجامعة عين شمس، والتي تُعقد تحت إشراف د. سونيا م. س. عزب، في خطوة تعكس إدراكًا عميقًا بأن مستقبل الطب لن يُحسم في المعامل فقط، بل في ساحات الأخلاق والقانون.

ما يحدث اليوم هو تحول جذري في مفهوم الرعاية الصحية. لم يعد الطبيب وحده صاحب القرار، بل أصبح يشاركه “نظام ذكي” قد لا يُفصح عن آلية تفكيره، ولا يمكن مساءلته بالطرق التقليدية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول التكنولوجيا من أداة مساعدة إلى سلطة غير مرئية، تفرض قراراتها دون شفافية أو محاسبة.

ومن هذا المنطلق، تأتي أهمية طرح قضايا مثل حوكمة الذكاء الاصطناعي، وشفافية الخوارزميات، وبناء الثقة بين الإنسان والآلة. فالمسألة لم تعد تتعلق بالكفاءة فقط، بل بالعدالة، والإنصاف، وحق المريض في فهم القرار الذي يُتخذ بشأنه. هل يمكن قبول تشخيص لا يمكن تفسيره؟ وهل يمكن الوثوق بنظام لا نعرف كيف يفكر؟

اللافت في هذه الفعالية أنها لا تكتفي بطرح الأسئلة، بل تسعى إلى تقديم إجابات عملية. الحديث لم يعد عن “مبادئ أخلاقية” عامة، بل عن كيفية تحويل هذه المبادئ إلى سياسات ملزمة، وإجراءات قابلة للتطبيق داخل المؤسسات الصحية. وهذا التحول من التنظير إلى التنفيذ هو ما يمنح الحدث ثقله الحقيقي.

وفي قلب هذا التوجه، يبرز دور ا. د. سونيا العزب كقيادة علمية تدرك أن الأخلاقيات الحيوية لم تعد تخصصًا جانبيًا، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء منظومة صحية متوازنة. فالإشراف العلمي هنا لا يعني التنظيم فقط، بل يعني توجيه البوصلة نحو ما يجب أن يكون، لا ما يمكن أن يكون.

لكن التحدي لا يتوقف عند حدود الذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاج، بل يمتد إلى البحث العلمي نفسه. في عصر يمكن فيه للذكاء الاصطناعي أن يكتب الأبحاث ويحلل البيانات، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: أين تنتهي حدود المساعدة، وأين يبدأ خطر التزييف؟ هل نحن أمام ثورة معرفية، أم أمام اختصار خطير قد يُفقد العلم مصداقيته؟

كما تطرح التطورات الحديثة قضايا قانونية معقدة: من المسؤول إذا أخطأ نظام ذكي؟ وكيف نحمي بيانات المرضى في عالم تُعد فيه البيانات “النفط الجديد”؟ وما هي الحدود الأخلاقية لاستخدام التكنولوجيا في الجسد البشري، سواء في الجراحة الروبوتية أو الهندسة الوراثية؟

كل هذه الأسئلة تشير إلى حقيقة واحدة: أن الطب يقف اليوم عند مفترق طرق. إما أن يقود التكنولوجيا وفق قيم إنسانية واضحة، أو أن ينقاد لها دون وعي، فيفقد جوهره الإنساني.

وربما يكون أكثر ما يميز هذه اللحظة هو أن النقاش لم يعد محصورًا في العواصم العالمية الكبرى، بل أصبح حاضرًا بقوة في مصر والمنطقة، من خلال مبادرات أكاديمية جادة تسعى إلى أن تكون جزءًا من الحوار العالمي، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.

إن الرسالة التي تحملها هذه الفعالية واضحة وصريحة: لا قيمة لأي تقدم تقني إذا لم يكن محكومًا بإطار أخلاقي يحمي الإنسان. فالذكاء، مهما بلغ من تطور، يظل أداة… أما القيم فهي التي تحدد كيف نستخدم هذه الأداة.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن مستعدون فعلًا لعصر يتخذ فيه الذكاء الاصطناعي قرارات طبية؟ أم أننا بحاجة أولًا إلى إعادة تعريف حدود المسؤولية، ومعايير الأخلاق، ودور الإنسان في منظومة تتغير أسرع مما نتوقع؟

الإجابة تبدأ من هنا… من حيث يُعاد طرح السؤال الصحيح.

تم نسخ الرابط بنجاح!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى