آفاق الاقتصاد المصري 2026: بين اختبار الصدمات العالمية وفرصة إعادة التموضع
آفاق الاقتصاد المصري 2026: بين اختبار الصدمات العالمية وفرصة إعادة التموضع
كتب ا. د. وائل بدوى
يدخل الاقتصاد المصري عام 2026 وهو يقف عند مفترق طرق دقيق، تحكمه تحولات عالمية غير مسبوقة، وضغوط داخلية تراكمت عبر سنوات من الأزمات المتعاقبة. تقرير “آفاق الاقتصاد المصري 2026” يرسم صورة مركبة: اقتصاد صمد أمام صدمات عنيفة، لكنه لم يصل بعد إلى منطقة الأمان الكلي، واقتصاد يمتلك فرص نمو حقيقية، بشرط استمرار الإصلاحات وعدم الارتداد عنها.

أولًا: المشهد العالمي… نمو أبطأ وعدم يقين أطول
يضع التقرير الاقتصاد المصري في سياق عالمي يتسم بتباطؤ النمو واستمرار حالة عدم اليقين. فالنمو العالمي المتوقع لعام 2026 يدور حول 3.1%، وهو معدل أقل من المتوسطات التاريخية لما قبل جائحة كوفيد-19، وأدنى من معدلات التعافي السريعة التي أعقبت أزمات سابقة.
الاقتصادات المتقدمة مرشحة لنمو لا يتجاوز 1.6%، بينما تحقق الاقتصادات الناشئة نموًا أفضل نسبيًا عند حدود 4%، لكن مع تفاوت واضح بين الدول.
هذا السياق يعني ببساطة أن العالم لن يكون محركًا قويًا للنمو، وأن الدول – ومنها مصر – مطالبة بالاعتماد بدرجة أكبر على محركاتها الداخلية بدلًا من انتظار رياح خارجية مواتية.
ثانيًا: الاقتصاد المصري… من إدارة الأزمة إلى البحث عن الاستدامة
يرى التقرير أن مصر نجحت خلال 2024–2025 في احتواء الاختلالات الكبرى التي هددت الاستقرار الكلي، خاصة في ما يتعلق بسوق الصرف، وتوافر النقد الأجنبي، والسيطرة النسبية على عجز الحساب الجاري.
وبالنسبة لعام 2026، تشير التقديرات إلى أن معدل النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي قد يتراوح بين 4.2% و5.3%، وهو تحسن ملحوظ مقارنة بسنوات التباطؤ السابقة، لكنه يظل مشروطًا باستمرار الإصلاحات الهيكلية، وتحسن مناخ الاستثمار، وعدم عودة الضغوط التضخمية بقوة.
ثالثًا: التضخم… التراجع البطيء بعد ذروة قاسية
أحد أهم مؤشرات التعافي هو مسار التضخم. فبعد موجات تضخمية حادة، يتوقع التقرير تراجع متوسط التضخم إلى حدود 20% في 2025، مع استمرار الانخفاض التدريجي خلال 2026، مدفوعًا بتشديد السياسة النقدية، وتحسن توافر السلع، وتراجع الضغوط العالمية على أسعار الغذاء والطاقة.
لكن التقرير يحذر بوضوح من أن التضخم لا يزال أحد أكبر مصادر الخطر، خاصة في حال حدوث صدمات خارجية جديدة أو اختلالات في سوق الصرف.
رابعًا: المالية العامة… ضبط صعب لكن ضروري
في ملف المالية العامة، يشير التقرير إلى استمرار جهود خفض العجز الكلي والسيطرة على الدين العام، مع توقع تراجع العجز الكلي إلى نحو 6–7% من الناتج المحلي، وتحقيق فائض أولي مستدام.
أما الدين العام، فيظل مرتفعًا نسبيًا، حيث تشير التقديرات إلى أن الدين الحكومي ما زال يدور حول 90% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، ما يجعل إدارة الدين – وليس مجرد خفضه – أولوية قصوى، خاصة في ظل ارتفاع تكلفة التمويل عالميًا.
خامسًا: الحساب الجاري والتجارة الخارجية… تحسن حذر
يرصد التقرير تحسنًا تدريجيًا في الحساب الجاري، مدفوعًا بتعافي الصادرات غير البترولية، وتحسن إيرادات السياحة، واستقرار تحويلات المصريين بالخارج نسبيًا.
كما يتوقع نمو التجارة العالمية بنحو 2.5% في 2026، وهو ما يمنح الصادرات المصرية فرصة، بشرط تحسين التنافسية وخفض تكاليف الإنتاج.
سادسًا: الاستثمار والقطاع الخاص… جوهر المعركة القادمة
يؤكد التقرير أن القطاع الخاص هو مفتاح النمو الحقيقي في المرحلة المقبلة. فالدولة أطلقت حزمة واسعة من الإجراءات تجاوزت 500 إجراء إصلاحي لدعم الاستثمار وتحسين بيئة الأعمال، ضمن سياسة واضحة لإعادة تعريف دور الدولة وتوسيع مساحة القطاع الخاص.
التقديرات تشير إلى تحسن تدريجي في معدلات الاستثمار الخاص، وارتفاع مساهمته في الناتج المحلي، لكن التقرير يقر بأن الطريق لا يزال طويلًا، وأن الثقة تحتاج إلى وقت واستمرارية سياسات.
سابعًا: سوق العمل والنمو الشامل
من زاوية اجتماعية، يرى التقرير أن النمو المتوقع في 2026 قد يساهم في تحسين معدلات التوظيف وخفض البطالة تدريجيًا، لكن بشرط أن يكون النمو كثيف التشغيل، لا قائمًا فقط على القطاعات الرأسمالية أو الريعية.
ويشدد التقرير على أهمية الاستثمار في التعليم الفني، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، باعتبارها قطاعات قادرة على خلق فرص عمل مستدامة.
الخلاصة: 2026 ليس عام المعجزات… بل عام الاختبار
الرسالة الجوهرية لتقرير “آفاق الاقتصاد المصري 2026” واضحة:
مصر تجاوزت مرحلة الخطر الحاد، لكنها لم تصل بعد إلى بر الأمان الكامل. عام 2026 يمثل عام اختبار للقدرة على تحويل الاستقرار النسبي إلى نمو مستدام، قائم على الإنتاج، والتصدير، والاستثمار الخاص، وليس على المسكنات قصيرة الأجل.
الفرصة قائمة، لكن الثمن معروف:
استمرار الإصلاح، الانضباط المالي، الحوكمة، وتمكين القطاع الخاص.
وأي تراجع عن هذا المسار قد يعيد الاقتصاد خطوات إلى الخلف في عالم لا ينتظر المترددين.
المصدر
تقرير “آفاق الاقتصاد المصري 2026: توقعات الأداء الاقتصادي في ظل التحولات العالمية”
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار – مجلس الوزراء المصري



