تسوية تاريخية بقيمة 135 مليون دولار: كيف أجبرت دعوى الخصوصية جوجل على إعادة تعريف استخدام بيانات أندرويد

تسوية تاريخية بقيمة 135 مليون دولار: كيف أجبرت دعوى الخصوصية جوجل على إعادة تعريف استخدام بيانات أندرويد
كتب ا د وائل بدوى
في واحدة من أكثر القضايا دلالة على التحول العالمي في فهم الخصوصية الرقمية، وافقت Google على تسوية دعوى جماعية بقيمة 135 مليون دولار، بعد اتهامها بالسماح بنقل بيانات خلوية «في الخلفية» عبر نظام أندرويد دون علم أو موافقة المستخدمين. القضية، التي نُظرت بأمام محكمة فيدرالية بولاية كاليفورنيا، تفتح نقاشًا عميقًا لا يتعلق فقط بسلوك شركة بعينها، بل بطبيعة العلاقة المختلة بين مستخدم يعتمد على هاتفه طوال اليوم، وشركة تقنية تدير منظومة معقدة من جمع البيانات.
جوهر القضية: ماذا حدث فعليًا؟
المدعون – وهم مستخدمون لأجهزة أندرويد – قالوا إن نظام التشغيل كان يستهلك بياناتهم الخلوية حتى عندما تكون الهواتف في وضع السكون، أو موضوعة على الطاولة أثناء النوم، أو حتى عند الاتصال بشبكات Wi-Fi. المشكلة لم تكن مجرد استهلاك تقني عابر، بل «نقل سلبي للبيانات» يتم دون إشعار واضح، ما أدى – بحسب الدعوى – إلى انتهاك الخصوصية وتكبيد المستخدمين رسوم بيانات لم يوافقوا عليها.
الأخطر في الاتهام أن هذه العمليات لم تكن قابلة للإيقاف بشكل فعلي، رغم وجود إعدادات في النظام توحي بإمكانية تعطيل استخدام البيانات في الخلفية. هنا تحولت المسألة من خلاف تقني إلى شبهة «تضليل» واجهات الاستخدام
تفاصيل التسوية: أرقام وشروط
التسوية المقترحة تنص على إنشاء صندوق تعويض غير قابل للرجوع بقيمة 135 مليون دولار، يُوزَّع على فئة تضم أكثر من 100 مليون مستخدم أمريكي استخدموا هواتف أندرويد بخطط بيانات خلوية خلال الفترة من 12 نوفمبر 2017 وحتى صدور الحكم النهائي.
بعد خصم أتعاب المحامين والتكاليف الإدارية، قد يحصل كل مستخدم على تعويض يصل إلى 100 دولار كحد أقصى وفق نظام التوزيع النسبي.
ومن المهم الإشارة إلى أن مستخدمي أندرويد في ولاية كاليفورنيا مستبعدون من هذه التسوية، لأنهم مشمولون بدعوى منفصلة على مستوى الولاية، انتهت بالفعل في يوليو 2025 بحكم تاريخي ألزم جوجل بدفع 314.6 مليون دولار بعد ثبوت نقل بيانات «سرًا» عبر الشبكات الخلوية.
البُعد غير المالي: ما الذي ستغيره جوجل؟
أهمية التسوية لا تكمن فقط في المبلغ، بل في الإجراءات التصحيحية التي التزمت بها الشركة، والتي قد تُعد سابقة تنظيمية:
1.تعديل شروط Google Play لتوضيح أن بعض عمليات نقل البيانات تتم في الخلفية، وقد تعتمد على البيانات الخلوية عند عدم الاتصال بالـWi-Fi، ولا يمكن تعطيلها دائمًا.
2.الحصول على موافقة صريحة من المستخدمين الجدد عبر إضافة خطوة واضحة في إعداد الجهاز (Setup Flow) تتضمن زر «موافقة».
3.إصلاح إعدادات “استخدام البيانات في الخلفية” بحيث لا توحي بإمكانية الإيقاف الكامل إذا كان ذلك غير دقيق تقنيًا.
هذه البنود تعكس اعترافًا ضمنيًا بأن «الشفافية» لم تكن كافية في التصميم السابق، حتى لو لم تعترف الشركة صراحة بالمسؤولية القانونية.
سياق أوسع: نمط متكرر لا حادثة منفردة
القضية تأتي بعد أشهر فقط من تسوية أخرى دفعت فيها Alphabet وGoogle 68 مليون دولار بسبب اتهامات بتسجيل محادثات المستخدمين عبر أجهزة تدعم Google Assistant دون موافقة. تكرار هذه القضايا يشير إلى نمط إشكالي في كيفية تعامل شركات المنصات الكبرى مع البيانات «غير المرئية» للمستخدم.
قراءة نقدية: هل التعويض كافٍ؟
من زاوية المستخدم، قد يبدو مبلغ 100 دولار متواضعًا مقارنة بحجم البيانات المُستغلة، أو بحقيقة أن الضرر الحقيقي هو فقدان السيطرة على الخصوصية لا مجرد استهلاك بيانات.
ومن زاوية الشركات، تمثل التسوية «تكلفة أعمال» يمكن استيعابها بسهولة مقابل الحفاظ على نموذج اقتصادي يعتمد على البيانات.
اللافت أن التحول الحقيقي لا يحدث غالبًا عبر الغرامات، بل عبر فرض الموافقة المسبقة الواضحة، وإعادة تصميم الواجهات بحيث لا تُخفي ما يجري في الخلفية. وهنا تحديدًا تكمن قيمة هذه التسوية.
ما الذي تعلّمناه؟
هذه القضية تؤكد أن عصر «الموافقة الضمنية» يقترب من نهايته. المستخدم لم يعد مجرد متلقٍ سلبي، بل طرفًا قانونيًا له حق المعرفة والاختيار. كما ترسل رسالة قوية إلى شركات التكنولوجيا مفادها أن الابتكار التقني لا يعفي من المسؤولية الأخلاقية والقانونية.
في النهاية، قد لا تغيّر هذه التسوية سلوك المستخدم فورًا، لكنها بلا شك تغيّر قواعد اللعبة: الخصوصية لم تعد بندًا ثانويًا في شروط الاستخدام، بل محورًا أساسيًا في الثقة الرقمية.


